دين اليابان يتجاوز 214%.. لماذا لم تنفجر أزمة الديون؟

تتصدر اليابان قائمة الاقتصادات الكبرى من حيث نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، بعدما بلغت النسبة نحو 214.5% بنهاية 2025، وفق صحيفة حقائق المالية العامة اليابانية الصادرة عن وزارة المالية في أبريل 2026، مقابل 134.7% في إيطاليا و122.3% في الولايات المتحدة.
ورغم هذا المستوى القياسي من المديونية، لم تدخل اليابان في أزمة ديون سيادية على غرار ما شهدته دول مثل اليونان والأرجنتين. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى طبيعة هيكل الدين، وارتفاع حصة المستثمرين المحليين، وإصدار الحكومة الجزء الأكبر من ديونها بالين، إلى جانب امتلاك الدولة قاعدة ضخمة من الأصول الخارجية.
من يملك الدين الحكومي الياباني؟
تكشف بيانات وزارة المالية اليابانية أن بنك اليابان كان يمتلك نحو 43% من السندات الحكومية القائمة بنهاية 2025، بينما استحوذت البنوك على نحو 16%، وشركات التأمين على 14%، وصناديق التقاعد على 6%.
في المقابل، لم تتجاوز حصة المستثمرين الأجانب نحو 13% ، ويعني ذلك أن الجزء الأكبر من الدين الياباني ممول محليًا، وهو ما يقلل اعتماد الحكومة على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ويحد من مخاطر عمليات البيع المفاجئة التي يمكن أن تتسبب في أزمة تمويل.
كما أن إصدار الدين بالين يمنح الحكومة اليابانية مرونة أكبر في إدارة التزاماتها، خاصة مع وجود بنك مركزي قادر على التدخل في سوق السندات ضمن إطار سياسته النقدية.
كيف صنعت اليابان أزمة الفقاعة؟
لفهم المديونية اليابانية الحالية، يجب العودة إلى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي.
بعد اتفاق بلازا في سبتمبر 1985، ارتفع الين أمام الدولار بصورة قوية، ما ضغط على القدرة التنافسية للصادرات اليابانية ودفع بنك اليابان إلى تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
وانخفض سعر الفائدة من نحو 5% وقت توقيع الاتفاق إلى 2.5% في مطلع 1987، ومع استمرار الائتمان منخفض التكلفة، تدفقت السيولة بصورة كبيرة إلى أسواق الأسهم والعقارات، لترتفع أسعار الأصول إلى مستويات غير مستدامة.
وبحسب مراجعة السياسة النقدية الصادرة عن بنك اليابان، ساهمت السياسة النقدية التيسيرية، والتوسع السريع في الائتمان، والتوقعات المتفائلة بشأن أسعار الأراضي والأسهم في تكوين الفقاعة المالية.
انهيار نيكي وبداية العقود الضائعة
انفجرت الفقاعة في مطلع التسعينيات، وتعرضت سوق الأسهم اليابانية لخسائر ضخمة.
فقد هبط مؤشر نيكي 225 من مستوى قياسي بلغ 38,915.87 نقطة في ديسمبر 1989 إلى نحو 14,309.41 نقطة في أغسطس 1992، ما أدى إلى محو جزء هائل من القيمة السوقية خلال فترة قصيرة.
وفي الوقت نفسه، بدأت أسعار الأراضي في الانخفاض، وتراكمت القروض المتعثرة لدى البنوك.
ومع انهيار قيمة الأصول، اتجهت الشركات والأسر إلى سداد الديون وتقليص الإنفاق بدلًا من التوسع في الاستثمار والاستهلاك.
وهنا دخل الاقتصاد الياباني في مرحلة طويلة من النمو الضعيف والانكماش، عُرفت لاحقًا باسم «العقود الضائعة».
الفائدة الصفرية لم تكن حلًا سريعًا
استجاب بنك اليابان للأزمة بسلسلة طويلة من السياسات النقدية غير التقليدية، بدأت الرحلة بخفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، ثم توسع البنك في شراء الأصول، وصولًا إلى تطبيق أسعار فائدة سالبة في مرحلة لاحقة.
وكان الهدف الأساسي هو كسر دائرة الانكماش وتحفيز الاقتراض والاستثمار وإعادة التضخم إلى مستوى قريب من مستهدف 2%.
لكن التجربة اليابانية كشفت أن خفض الفائدة وحده لا يكفي عندما تكون الشركات والأسر منشغلة بإعادة بناء ميزانياتها وسداد الديون.
لماذا ظل الين تحت الضغط؟
مع بدء البنوك المركزية الكبرى في العالم دورة تشديد نقدي قوية بعد ارتفاع التضخم العالمي، اتسعت الفجوة بين أسعار الفائدة في الولايات المتحدة واليابان.
ودفع ذلك جزءًا من المستثمرين إلى تفضيل الأصول الدولارية ذات العائد الأعلى، وهو ما زاد الضغوط على الين.
وفي الوقت نفسه، اضطرت اليابان إلى التعامل مع معادلة شديدة التعقيد: الحفاظ على سياسة نقدية داعمة للاقتصاد من ناحية، ومنع تراجع العملة بصورة تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات والتضخم من ناحية أخرى.
اليابان.. أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية
لا تتوقف أهمية اليابان عند سوقها المحلية، بل تمتد إلى النظام المالي العالمي، فبحسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية، بلغت حيازات اليابان من سندات الخزانة الأميركية نحو 1.14 تريليون دولار في مايو 2026، لتظل أكبر حائز أجنبي لهذه السندات، متقدمة على المملكة المتحدة بنحو 948.6 مليار دولار والصين بنحو 659.3 مليار دولار.
وتعود هذه المكانة إلى تراكم احتياطيات ضخمة من الدولار على مدار عقود، مدفوعة بالفوائض التجارية والاستثمارات الخارجية.
وتُستخدم هذه الاحتياطيات في استثمارات عالية السيولة، وعلى رأسها سندات الخزانة الأميركية، كما تمثل مصدرًا مهمًا للسيولة عند الحاجة إلى التدخل في سوق الصرف.
لماذا يهم الين واشنطن؟
ضعف الين بصورة حادة لا يمثل مشكلة يابانية فقط، فاليابان لاعب رئيسي في سوق السندات الأميركية، وأي عمليات بيع واسعة النطاق لسندات الخزانة لتمويل تدخلات كبيرة في سوق الصرف يمكن أن تؤثر في أسعار السندات وعوائدها.
ومن ثم، فإن استقرار سوق العملات اليابانية يرتبط بصورة غير مباشرة باستقرار سوق الدين الأميركي والأسواق المالية العالمية.
ولهذا شهد التاريخ الحديث تدخلات منسقة بين اليابان والولايات المتحدة في فترات اتسمت باضطرابات حادة في سوق الصرف.
ما الذي يحمي اليابان من أزمة ديون؟
المعادلة اليابانية تختلف عن نموذج الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخارجي.
فاليابان تمتلك: قاعدة كبيرة من المدخرات والأصول المحلية.
نسبة مرتفعة من الدين المملوك لمستثمرين محليين.
قدرة على إصدار الدين بعملتها المحلية.
قاعدة ضخمة من الأصول الخارجية.
بنكًا مركزيًا يمتلك حصة كبيرة من السندات الحكومية.
سوقًا مالية عميقة وقاعدة مستثمرين واسعة.
لكن ذلك لا يعني أن المديونية المرتفعة بلا مخاطر.
الخطر الحقيقي.. تكلفة خدمة الدين
المشكلة الأكبر أمام اليابان تتمثل في احتمال استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون، زاد العبء على الموازنة العامة، خصوصًا مع ضخامة رصيد الدين الحكومي.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يمكن أن يقلل من فعالية السياسة النقدية التقليدية، ويزيد الضغط على المالية العامة في وقت تواجه فيه اليابان تحديات ديموغرافية وارتفاعًا في الإنفاق الاجتماعي.
ومن هنا، فإن قدرة اليابان على الحفاظ على ثقة المستثمرين لا تعتمد فقط على حجم أصولها، وإنما أيضًا على قدرتها على تحقيق نمو اقتصادي مستدام وإدارة المالية العامة على المدى الطويل.
اليابان أمام معادلة مالية معقدة
تكشف التجربة اليابانية أن ارتفاع الدين العام لا يؤدي تلقائيًا إلى أزمة سيادية، فالتركيبة التي يوجد بها الدين، والعملة التي يصدر بها، وهوية حامليه، وحجم الأصول الخارجية، وقدرة البنك المركزي على التدخل، كلها عوامل تحدد مدى قدرة الدولة على تحمل المديونية.
لكن هذه الحماية ليست مفتوحة بلا حدود، فإذا تحولت أسعار الفائدة إلى مسار صاعد ومستدام، مع استمرار ضعف النمو وارتفاع الإنفاق الاجتماعي، فإن تكلفة الدين ستصبح أكثر ضغطًا على المالية العامة.
لذلك، لا تتمثل القضية الأساسية في أن اليابان تمتلك أكبر نسبة دين إلى الناتج المحلي في العالم فحسب، وإنما في قدرتها على الحفاظ على المعادلة التي سمحت لها بإدارة هذا الدين لعقود دون الوقوع في أزمة تمويل سيادية.
وتبقى اليابان بذلك واحدة من أكثر الحالات إثارة للاهتمام في الاقتصاد العالمي: دولة تحمل دينًا يتجاوز ضعف ناتجها المحلي، لكنها في الوقت نفسه تمتلك واحدة من أكبر قواعد الأصول الخارجية في العالم وتلعب دورًا محوريًا في سوق السندات الأميركية.









