رامي زهدي يكتب : « الچيوسياسية الصحية بالقارة الإفريقية..مابين المرض والعلاج »

رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية

لم يعد قطاع الصحة في إفريقيا مجرد ملف خدمي مرتبط بالمستشفيات والأدوية وبرامج التطعيم والرعاية الأولية والوقاية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر القطاعات ارتباطا بمعادلات الأمن القومي والاستقرار السياسي والنفوذ الاقتصادي وإعادة تشكيل خرائط الاستثمار العالمي داخل القارة، فالقارة التي تضم ما يزيد على 1.4 مليار نسمة، ويتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050 وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها سوقا استهلاكية ضخمة أو فضاء جغرافيا للموارد الخام، وإنما باعتبارها واحدة من أكبر الأسواق الصحية غير المستغلة في العالم، وأحد أهم ميادين الصراع الاقتصادي والتكنولوجي خلال العقود المقبلة.

التحولات التي شهدها العالم بعد جائحة كورونا كشفت بصورة حادة حجم الهشاشة البنيوية في الأنظمة الصحية الإفريقية، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن الفرص الاقتصادية الهائلة الكامنة داخل القطاع الصحي بالقارة، فبينما كانت دول العالم المتقدم تمتلك القدرة على تصنيع اللقاحات وإدارة سلاسل الإمداد الطبي وتأمين احتياجاتها الاستراتيجية، وجدت غالبية الدول الإفريقية نفسها رهينة للاعتماد شبه الكامل على الخارج، سواء في استيراد الأدوية أو المعدات أو المواد الخام أو حتى الكوادر والخبرات الفنية، وتشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن إفريقيا تستورد ما يقرب من 94% من احتياجاتها الدوائية، فيما تتجاوز فاتورة الواردات الطبية والدوائية عشرات المليارات من الدولارات سنويا، وهو ما يكشف حجم النزيف الاقتصادي المرتبط بغياب التصنيع الصحي المحلي.

لكن المفارقة الأهم أن هذا الضعف ذاته أصبح مدخلا لإعادة اكتشاف القيمة الاقتصادية الهائلة لقطاع الصحة الإفريقي، فالقارة التي تتحمل ما يقرب من 24% من العبء المرضي العالمي لا تمتلك سوى نحو 3% من العاملين في القطاع الصحي عالميا، كما أن متوسط الإنفاق الصحي في كثير من الدول الإفريقية لا يزال دون المعدلات العالمية بصورة كبيرة، وفي الوقت الذي يتجاوز فيه متوسط الإنفاق الصحي للفرد في بعض الاقتصادات المتقدمة عدة آلاف من الدولارات سنويا، لا تزال عشرات الدول الإفريقية تعاني من ضعف البنية التمويلية للقطاع، وهو ما يعني ببساطة أن السوق الإفريقية الصحية لا تزال في طور التشكل والنمو، وأنها مرشحة لاستقبال استثمارات هائلة خلال العقود المقبلة.

التقديرات الاقتصادية الحديثة تشير إلى أن حجم سوق الرعاية الصحية في إفريقيا مرشح لتجاوز 250 مليار دولار خلال السنوات المقبلة إذا ما استمرت معدلات النمو الحالية، خاصة في ظل الزيادة السكانية المتسارعة، وارتفاع متوسط الأعمار، والتوسع الحضري، وصعود الطبقات الوسطى في عدد من الاقتصادات الإفريقية الكبرى مثل مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا وكينيا والمغرب وإثيوبيا.
، كما أن التحول الرقمي المتسارع داخل القارة يفتح المجال أمام نماذج صحية جديدة تعتمد على التكنولوجيا المالية والعلاج عن بعد والذكاء الاصطناعي والمنصات الصحية الرقمية، وهي قطاعات بدأت بالفعل تجذب اهتمام الصناديق الاستثمارية الدولية ورؤوس الأموال المغامرة.

وإذا كانت النظرة التقليدية لقطاع الصحة تعتبره عبئا ماليا على الموازنات العامة، فإن التحولات الجارية عالميا تؤكد أن الاقتصاد الصحي أصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وخلق الوظائف وتعزيز التصنيع ونقل التكنولوجيا، فالقطاع الصحي لا يقتصر على المستشفيات فقط، بل يمتد إلى الصناعات الدوائية، والتأمين الصحي، والسياحة العلاجية، والتكنولوجيا الطبية، والبحوث الحيوية، وسلاسل الإمداد، والصناعات المرتبطة بالمستلزمات والأجهزة والمعدات الطبية، ومن ثم فإن الحديث عن اقتصاديات الصحة في إفريقيا هو حديث عن منظومة اقتصادية متكاملة يمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية استراتيجية للقارة بأكملها.

ولعل أحد أهم المؤشرات الدالة على تغير النظرة العالمية تجاه القطاع الصحي الإفريقي يتمثل في تصاعد التنافس الدولي على الاستثمار داخل هذا المجال، فالصين توسع حضورها الصحي في إفريقيا عبر المستشفيات ومراكز مكافحة الأمراض ومشروعات البنية الطبية وتقديم المعدات والبعثات الطبية، بينما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تعزيز شراكاتهما الصحية مع القارة ضمن رؤية أوسع تتعلق بأمن سلاسل الإمداد الدوائي العالمية وتقليل الاعتماد على المراكز الصناعية التقليدية في آسيا، كما دخلت الهند بقوة إلى السوق الإفريقية باعتبارها واحدة من أكبر مصدري الأدوية منخفضة التكلفة، فيما تتحرك دول الخليج بصورة متزايدة نحو الاستثمار في المستشفيات والمراكز الطبية والسياحة العلاجية داخل عدد من الدول الإفريقية.

هذا التنافس لا يرتبط فقط بالأبعاد الاقتصادية المباشرة، بل يعكس إدراكا متزايدا بأن النفوذ الصحي أصبح جزءا من أدوات القوة الناعمة والتأثير الجيوسياسي، فمن يمتلك القدرة على توفير الدواء واللقاح والتكنولوجيا الصحية يمتلك في الوقت ذاته أدوات تأثير سياسي واستراتيجي طويلة المدى، وقد أظهرت جائحة كورونا كيف تحولت اللقاحات إلى أدوات دبلوماسية تستخدمها الدول الكبرى لتعزيز حضورها ونفوذها الدولي، وهو ما يجعل إفريقيا اليوم ساحة رئيسية ضمن معادلات ما يمكن تسميته بـالجيوسياسة الصحية.

وفي قلب هذه التحولات تبرز قضية التصنيع الدوائي الإفريقي باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية وأهمية، فالقارة لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد الكامل على الخارج في قطاع يرتبط مباشرة بالأمن القومي الإنساني، ومن هنا بدأت العديد من الدول الإفريقية في تبني استراتيجيات لتوطين الصناعات الدوائية واللقاحات، خاصة بعد الأزمة التي كشفت هشاشة النظام الصحي العالمي أثناء الجائحة، وتعمل مؤسسات قارية مثل المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والاتحاد الإفريقي على دعم خطط تهدف إلى رفع نسبة تصنيع اللقاحات داخل إفريقيا بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة.

وتعد مصر من أبرز الدول الإفريقية المؤهلة للعب دور محوري في هذا المسار، نظرا لما تمتلكه من بنية صناعية دوائية متقدمة نسبيا مقارنة بعدد كبير من دول القارة، فضلا عن امتلاكها قاعدة بشرية وعلمية وطبية كبيرة، فالقطاع الدوائي المصري يعد من أكبر القطاعات الصناعية في المنطقة، وتنتج مصر مئات الأصناف الدوائية عبر عشرات المصانع والشركات الوطنية والخاصة، كما أن القاهرة تمتلك موقعا جغرافيا واستراتيجيا يؤهلها للتحول إلى مركز إقليمي لتصنيع وتوزيع الدواء والخدمات الصحية داخل إفريقيا والشرق الأوسط.

الحديث هنا لا يتعلق فقط بالتصدير التجاري، بل ببناء نموذج شراكة إفريقية قائم على نقل الخبرات والتدريب والتكامل الصناعي والبحثي، فالقارة الإفريقية تحتاج إلى إنشاء شبكات إنتاج دوائي عابرة للحدود، وإلى بناء منظومات لوجستية قارية قادرة على تقليل تكلفة الإمداد الطبي، كما تحتاج إلى تطوير أنظمة اعتماد وتنظيم دوائي موحدة تسهل حركة المنتجات والخدمات الصحية داخل القارة في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية.

كما أن ملف السياحة العلاجية يمثل فرصة اقتصادية ضخمة لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي داخل إفريقيا، فبعض الدول الإفريقية بدأت بالفعل في تطوير مراكز علاجية متقدمة تستهدف جذب المرضى من داخل القارة وخارجها، مستفيدة من انخفاض التكلفة النسبية للعلاج مقارنة بالأسواق الأوروبية والأمريكية، وتمتلك مصر تحديدا مقومات كبيرة للتحول إلى مركز إفريقي وإقليمي للسياحة العلاجية، سواء عبر المستشفيات الكبرى أو المدن الطبية أو مراكز التأهيل والعلاج الطبيعي والاستشفاء، خاصة مع تنامي الطلب الإفريقي على الخدمات الصحية عالية الجودة.

وفي سياق مواز، تبرز التكنولوجيا الصحية باعتبارها أحد أكثر القطاعات الواعدة داخل الاقتصاد الإفريقي الجديد، فالقارة التي شهدت طفرة هائلة في استخدام الهواتف المحمولة والخدمات الرقمية أصبحت بيئة خصبة لتطوير حلول صحية مبتكرة تعتمد على التطبيقات الذكية والخدمات السحابية والتشخيص عن بعد، وتشير تقديرات متعددة إلى أن سوق التكنولوجيا الصحية في إفريقيا يشهد معدلات نمو متسارعة، مدفوعة بضعف البنية التقليدية للرعاية الصحية في بعض المناطق، ما يجعل الحلول الرقمية بديلا عمليا وفعالا.

ومن اللافت أن عددا متزايدا من الشركات الناشئة الإفريقية بدأ يقتحم هذا المجال عبر تطوير منصات تربط المرضى بالأطباء، أو تطبيقات لإدارة البيانات الصحية، أو أنظمة دفع وتأمين صحي رقمية، أو تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في التشخيص وإدارة الخدمات الطبية. هذه التحولات لا تعكس فقط تغيرا اقتصاديا، بل تشير إلى نشوء طبقة جديدة من الاقتصاد المعرفي الإفريقي المرتبط بالابتكار والتكنولوجيا الحيوية.

لكن رغم كل هذه الفرص، فإن الطريق لا يزال مليئا بالتحديات البنيوية العميقة، فضعف الإنفاق الحكومي، ونقص الكوادر الطبية، وهجرة العقول، وتفاوت البنية التحتية بين المدن والمناطق الريفية، واستمرار الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي، كلها عوامل تحد من قدرة القطاع الصحي الإفريقي على تحقيق طفرة حقيقية. كما أن القارة لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالأمراض المعدية وسوء التغذية وضعف شبكات التأمين الصحي وارتفاع معدلات الفقر، وهو ما يخلق ضغوطا إضافية على الأنظمة الصحية.

وتشير تقارير دولية إلى أن إفريقيا تحتاج إلى استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات سنويا لسد فجوة البنية الصحية، سواء في المستشفيات أو مراكز الرعاية أو المعدات أو الكوادر البشرية، كما أن منظمة الصحة العالمية حذرت مرارا من النقص الحاد في الأطباء والممرضين داخل القارة، حيث تعاني دول عديدة من معدلات متدنية للغاية مقارنة بالمعايير الدولية.

غير أن أخطر ما يمكن أن تواجهه إفريقيا ليس فقط ضعف التمويل، بل استمرار النظر إلى الصحة باعتبارها ملفا خدميا ثانويا لا يرتبط بالاقتصاد والسيادة والاستقرار، فالدول التي لا تمتلك منظومات صحية قوية تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات والكوارث والأوبئة، وأكثر عرضة للاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية، ومن هنا فإن الاستثمار في الصحة لم يعد رفاهية تنموية، بل أصبح استثمارا في الأمن القومي والاستقرار السياسي والإنتاجية الاقتصادية.

كما أن قطاع الصحة يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل سوق العمل الإفريقي، فالقارة تمتلك واحدة من أصغر الكتل السكانية عمرا في العالم، ومع ارتفاع معدلات النمو السكاني ستحتاج إفريقيا إلى خلق ملايين الوظائف الجديدة سنويا، ويمكن للقطاع الصحي أن يتحول إلى أحد أكبر مولدات فرص العمل، سواء عبر الخدمات الطبية أو الصناعات الدوائية أو التكنولوجيا الصحية أو البحث العلمي أو الخدمات اللوجستية المرتبطة بالقطاع.

ومن الزاوية الجيوسياسية، فإن نجاح إفريقيا في بناء منظومة صحية قوية سيمنحها هامشا أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الدولية، فالقارة التي تعتمد بالكامل على الخارج في الغذاء والدواء والطاقة تظل رهينة للتقلبات العالمية ولابتزاز سلاسل الإمداد الدولية، ولذلك فإن بناء الأمن الصحي الإفريقي يجب أن يُقرأ باعتباره جزءا من مشروع أوسع يتعلق بإعادة بناء مفهوم السيادة الإفريقية في القرن الحادي والعشرين.

وفي تقديري، فإن السنوات المقبلة ستشهد تحولا جذريا في طريقة تعامل الحكومات الإفريقية مع قطاع الصحة، فالأمر لم يعد يتعلق فقط ببناء مستشفى جديد أو شراء معدات طبية، بل بإعادة تعريف القطاع باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومحورا من محاور التنافس الجيوسياسي العالمي، ومن هنا فإن الدول التي ستنجح في الاستثمار الذكي داخل هذا القطاع ستكون أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وتحسين جودة الحياة، وبناء نفوذ إقليمي ودولي متصاعد.

إن إفريقيا تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما أن تظل مجرد سوق استهلاكية مفتوحة للدواء والتكنولوجيا الصحية القادمة من الخارج، وإما أن تتحول إلى قوة إنتاجية وصناعية وصحية صاعدة تمتلك قرارها الاقتصادي والاستراتيجي، وبين هذين المسارين تتحدد ملامح المستقبل الإفريقي الجديد.

وفي هذا السياق، تبدو مصر مؤهلة للعب دور محوري داخل معادلة الصحة الإفريقية الجديدة، ليس فقط بحكم موقعها وإمكاناتها الصناعية والطبية، وإنما أيضا بحكم رؤيتها السياسية المتزايدة تجاه القارة الإفريقية، وسعيها إلى تعزيز مفهوم الشراكة التنموية القائمة على المصالح المشتركة ونقل الخبرات والتكامل الإقليمي، فالقاهرة تدرك أن معركة النفوذ في إفريقيا خلال العقود المقبلة لن تُحسم فقط عبر الجيوش أو السياسة التقليدية، وإنما عبر الاقتصاد والمعرفة والصحة والتكنولوجيا.

ولهذا فإن الاستثمار في اقتصاديات الصحة الإفريقية يجب أن يصبح جزءا من رؤية استراتيجية أوسع لإعادة تموضع إفريقيا داخل النظام الدولي الجديد، فقارة بهذا الحجم السكاني والاقتصادي والموارد البشرية لا يمكن أن تبقى على هامش الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية والبحث الطبي العالمي، والسؤال الحقيقي لم يعد: هل تمتلك إفريقيا فرصا في قطاع الصحة؟ بل: هل تمتلك الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية لتحويل تلك الفرص إلى مشروع حضاري وتنموي متكامل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى