من 68 إلى 467 ميغاواط.. كيف بنت السعودية قاعدة الذكاء الاصطناعي؟

وضعت السعودية نفسها ضمن أكبر 10 دول عالميًا من حيث الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي، وفق تقرير التنمية في العالم 2026 الصادر عن البنك الدولي، في مؤشر يعكس توسع المملكة في البنية التحتية الرقمية، وجذب المواهب المتخصصة، وتطوير منظومة حكومية تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والتقنيات المتقدمة.

ويأتي هذا التصنيف في وقت ارتفعت فيه سعة مراكز البيانات في المملكة من 68 ميغاواط عام 2021 إلى 467 ميغاواط خلال الربع الأول من 2026، بما يعادل نحو 7 أضعاف السعة المسجلة قبل خمس سنوات.

السعودية تبني البنية التحتية قبل سباق الذكاء الاصطناعي

يركز تقرير البنك الدولي «وعد الذكاء الاصطناعي» على تداعيات الذكاء الاصطناعي على الاقتصادات النامية، من خلال ثلاثة محاور رئيسية تشمل القدرات، وتركيز صناعة الذكاء الاصطناعي، والعوامل المكملة التي تحتاجها الدول للاستفادة من هذه التكنولوجيا.

وأشار التقرير إلى أن السعودية تعتمد على حوافز استثمارية ومناطق اقتصادية خاصة لجذب الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في ظل اشتداد المنافسة العالمية على مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.

وتكشف الأرقام حجم التوسع؛ فقد ارتفعت سعة مراكز البيانات من 68 ميغاواط في 2021 إلى 440 ميغاواط في 2025، ثم إلى 467 ميغاواط خلال الربع الأول من 2026.

وبذلك زادت السعة بأكثر من 6% منذ بداية العام، بينما أصبحت أكبر بنحو سبع مرات مقارنة بمستويات 2021.

99% من السكان تحت مظلة الجيلين الرابع والخامس

لم يقتصر الاستثمار على مراكز البيانات، إذ بلغت تغطية شبكات الجيلين الرابع والخامس نحو 99% بنهاية 2025.

كما بلغ متوسط سرعة الإنترنت في المملكة نحو 216 ميغابت في الثانية، بما يدعم توسع الخدمات الرقمية والتطبيقات التي تعتمد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه المؤشرات أن المملكة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره منظومة متكاملة، لا مجرد استثمارات في النماذج والتطبيقات.

السعودية تجذب المواهب بدلًا من مطاردة التكنولوجيا فقط

ومن أبرز نقاط القوة التي رصدها التقرير قدرة السعودية على جذب العاملين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي.

وجاءت المملكة إلى جانب لوكسمبورغ والإمارات وأستراليا وسويسرا ضمن الاقتصادات التي سجلت أعلى صافي تدفقات للعاملين في مجال الذكاء الاصطناعي لكل 10 آلاف عضو على منصة «لينكدإن» خلال 2025.

وفي فئة كبار الباحثين والمبتكرين في الذكاء الاصطناعي، سجلت السعودية صافي تدفق بلغ 3.08 خلال 2025، مقارنة بـ26.0 للولايات المتحدة و5.17 للمملكة المتحدة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة؛ لأن المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي لا تتعلق فقط بتوفير التمويل وأجهزة الحوسبة، وإنما تمتد إلى القدرة على استقطاب الباحثين والمهندسين وأصحاب الخبرات المتخصصة.

426 ألف عامل في قطاع التقنية

وتدعم البيانات المحلية هذا الاتجاه، إذ ارتفع عدد العاملين في قطاع التقنية بالسعودية إلى نحو 426 ألفًا، مقابل 150 ألفًا في 2018، بنمو تراكمي بلغ 186.6%.

كما بلغت مشاركة النساء في وظائف الاتصالات وتقنية المعلومات نحو 35%، بما يعكس اتساع قاعدة الكفاءات العاملة في القطاع.

ويعني ذلك أن المملكة تعمل في الوقت نفسه على توسيع البنية التحتية وزيادة قاعدة الموارد البشرية القادرة على تشغيلها والاستفادة منها.

البيانات الحكومية تتحول إلى أصل اقتصادي

وسلط تقرير البنك الدولي الضوء على تجربة السعودية في إدارة البيانات الحكومية، من خلال منصة تديرها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا».

وتتيح المنصة دمج البيانات من أكثر من 60 جهة حكومية، مع إبقاء البيانات داخل أنظمتها الأصلية.

وتكتسب هذه التجربة أهمية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، إذ يحتاج تشغيل التطبيقات الذكية على نطاق واسع إلى بنية تسمح بتبادل البيانات مع الحفاظ على الضوابط المتعلقة بالخصوصية والأمن وإدارة الصلاحيات.

ويؤكد البنك الدولي أن نجاح الدول في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يتطلب بنية تقنية تشمل واجهات برمجة التطبيقات والمعرفات المشتركة، إلى جانب أطر حوكمة تحدد طبيعة البيانات التي يمكن مشاركتها والجهات المسموح لها بالوصول إليها.

الاقتصاد الرقمي يقترب من خُمس اقتصاد المملكة

انعكس هذا التوسع على حجم الاقتصاد الرقمي، الذي ارتفعت مساهمته إلى نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

كما بلغ حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات نحو 199 مليار ريال، بما يعادل 53.1 مليار دولار، خلال 2025.

وتشير هذه الأرقام إلى انتقال الاستثمار في التكنولوجيا من كونه قطاعًا منفصلًا إلى عنصر مؤثر في النشاط الاقتصادي، خاصة مع توسع استخدام البيانات والخدمات الرقمية والبنية التحتية الحاسوبية في مختلف القطاعات.

البنك الدولي يرصد تحولًا يتجاوز الاستثمار

وتكشف قراءة تقرير البنك الدولي أن صعود السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بحجم الإنفاق وحده.

فالاستثمار في مراكز البيانات، واستقطاب المواهب، وتوسيع شبكات الاتصالات، وتطوير البنية الحكومية للبيانات، وزيادة مساهمة الاقتصاد الرقمي، كلها تتحرك في اتجاه واحد.

وهذا التكامل هو العنصر الأهم في التجربة السعودية؛ إذ تحاول المملكة بناء البيئة التي تسمح بتحويل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى نشاط اقتصادي مستدام، بدلًا من الاكتفاء باستيراد التكنولوجيا واستخدامها.

وشارك وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي عبدالله السواحه في اللجنة الاستشارية رفيعة المستوى لتقرير التنمية في العالم 2026، كما استضاف المركز السعودي للتنافسية ومركز المعرفة التابع لمجموعة البنك الدولي في السعودية جلسات تشاورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى