هل انتهى عصر السندات الصاعدة؟ هبوط الذهب يكشف صراع التضخم والعوائد الأمريكية

تراجع الذهب بأكثر من 80 دولارًا للأونصة خلال تعاملات 14 أكتوبر، بعدما أظهرت بيانات التضخم الأمريكية تسارع ارتفاع الأسعار إلى 3.7% على أساس سنوي في سبتمبر، مقارنة بـ3.4% في أغسطس، ما عزز توقعات تشديد السياسة النقدية وأدى إلى صعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية والدولار.

وسجل الذهب الفوري مستوى منخفضًا بلغ 4078.80 دولار للأونصة، وفق بيانات «كيتكو»، بينما هبطت الفضة بأكثر من 5% خلال الجلسة. وجاءت الخسائر في وقت تتزايد فيه حساسية المعادن الثمينة لتوقعات أسعار الفائدة، إذ لا تحقق هذه الأصول عائدًا دوريًا، ما يجعل الاحتفاظ بها أقل جاذبية نسبيًا عندما ترتفع عوائد السندات والأدوات النقدية.

لكن التراجع لم يقتصر على تحركات يومية في أسعار المعادن؛ إذ أعاد فتح النقاش حول العلاقة بين التضخم والدين الحكومي وتكلفة التمويل، في ظل تحذيرات أطلقها ماريو إينيكو، وهو وسيط سابق في سوق العقود الآجلة للسندات الحكومية بلندن، من أن سوق السندات الصاعدة التي استمرت عقودًا ربما تكون قد انتهت.

التضخم يرفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب

أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6% على أساس شهري في سبتمبر، فيما بلغ التضخم السنوي 3.7%، مقابل 3.4% في أغسطس.

وكانت أسعار البنزين من أبرز محركات الزيادة، إذ ارتفعت بنسبة 9.1% خلال الشهر، وأسهمت بأكثر من نصف الزيادة الشهرية في المؤشر العام. كما صعد التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، إلى 2.6% على أساس سنوي، مقارنة بـ2.4% في الشهر السابق.

وأدت البيانات إلى زيادة رهانات المستثمرين على احتمال رفع أسعار الفائدة الأمريكية، بالتزامن مع صعود عوائد سندات الخزانة وقوة الدولار. وتمثل هذه العوامل ضغوطًا مباشرة على الذهب، لأن ارتفاع العائد على الأصول المنافسة يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس.

وتوضح هذه الاستجابة أن الذهب، رغم استخدامه أداة للتحوط من التضخم على المدى الطويل، لا يرتفع بالضرورة فور صدور بيانات تضخمية مرتفعة؛ إذ يتوقف اتجاهه في الأجل القصير على كيفية تأثير البيانات في توقعات الفائدة والدولار والعوائد الحقيقية.

إينيكو: سوق السندات قد تكون دخلت مرحلة هبوط طويلة

يرى إينيكو، الذي يدير قناة «مانيكو 64» على منصة يوتيوب، أن التحول الأهم لا يتعلق بتراجع الذهب وحده، بل بتغير الاتجاه طويل الأجل لسوق السندات الأمريكية.

ويستند في تقديره إلى التحول الكبير في العوائد خلال السنوات الماضية؛ إذ هبط عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 0.52% في أغسطس 2020، قبل أن يرتفع إلى مستويات تجاوزت 5% في أكتوبر 2026، وفق الأرقام الواردة في المقابلة.

ويقول إينيكو إن انخفاض أسعار الفائدة على مدى عقود أتاح للحكومات والمقترضين إعادة التمويل بتكاليف أقل، وأسهم في دعم سوق السندات. لكنه يعتقد أن استمرار ارتفاع العوائد قد يعكس تحولًا إلى سوق هابطة، بما يرفع تكلفة خدمة الدين ويضغط على قيمة السندات القائمة.

ويتوقع إينيكو احتمال تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات مؤقتًا إلى نطاق يتراوح بين 4.25% و4.5% خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، قبل أن يعاود الارتفاع باتجاه 6%. وتظل هذه التقديرات توقعات شخصية وليست مسارًا مؤكدًا للسوق.

وتكمن أهمية هذا السيناريو في العلاقة العكسية بين أسعار السندات وعوائدها؛ فارتفاع العائد في السوق يؤدي عادة إلى انخفاض سعر السندات القائمة ذات العائد الثابت، وقد يترتب على ذلك خسائر لحائزيها إذا اضطروا إلى البيع قبل الاستحقاق.

المدخرون بين التضخم والعوائد المرتفعة

يحذر إينيكو من أن استمرار التضخم قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمدخرات، حتى عندما تحقق بعض الأدوات المالية عوائد اسمية موجبة. ويرى أن الأثر لا يتوزع بالتساوي بين الأفراد، إذ تختلف قدرة الأسر على حماية مدخراتها بحسب نوع الأصول التي تمتلكها ومدى ارتباط عوائدها بمستوى الأسعار.

وفي هذا السياق، أعلنت إدارة الضمان الاجتماعي الأمريكية زيادة تكاليف المعيشة للمستفيدين بنسبة 3.6% خلال عام 2027، على أن يبدأ تطبيقها في يناير. ومن المتوقع أن يرتفع متوسط استحقاق التقاعد الشهري بنحو 75 دولارًا ليصل إلى 2170 دولارًا.

وتعكس الزيادة محاولة لتعويض المستفيدين عن ارتفاع الأسعار، لكنها لا تعني بالضرورة استعادة القوة الشرائية كاملة لكل فرد؛ إذ تختلف أنماط الإنفاق الفعلية بين الأسر، كما قد تتغير أسعار السكن والطاقة والرعاية الصحية بمعدلات تختلف عن المؤشر المستخدم في احتساب التعديل.

ويعتبر إينيكو أن التضخم يمثل عبئًا على أصحاب الدخول الثابتة، محذرًا من أن ارتفاع الأسعار قد يسبق قدرة الأجور والمعاشات على التكيف معه.

اتهامات بالتلاعب في المعادن الثمينة.. ما الذي تثبته الوقائع؟

يقول إينيكو إنه لاحظ تكرار عمليات بيع الذهب والفضة في توقيتات محددة من جلسات التداول، ويرى أن ذلك يثير تساؤلات بشأن سلوك المشاركين في سوق المعادن الثمينة.

كما أشار إلى سوابق تنظيمية، من بينها تسوية بنك «جيه بي مورجان تشيس» في سبتمبر 2020، التي تجاوزت قيمتها 920 مليون دولار على خلفية تحقيقات أمريكية بشأن ممارسات تلاعب في أسواق المعادن الثمينة وعقود الخزانة الآجلة.

غير أن وجود سوابق مثبتة لا يثبت أن الهبوط الأخير في أسعار الذهب والفضة نتج عن تلاعب. ويظل تفسير حركة الأسعار بحاجة إلى أدلة خاصة بالواقعة، مع مراعاة أثر بيانات التضخم والعوائد والدولار ومراكز المستثمرين.

ويعتقد إينيكو أن تراجع الأسعار قد يمثل فرصة لشراء الذهب والفضة والاحتفاظ بهما ماديًا، لكن هذا الرأي يعكس استراتيجيته الاستثمارية الشخصية، ولا يلغي مخاطر تقلب الأسعار أو تكاليف الشراء والتخزين والسيولة.

إعادة تقييم احتياطيات الذهب الأمريكية.. سيناريو يحتاج إلى قرار رسمي

طرح إينيكو احتمال إعادة تقييم احتياطيات الذهب الأمريكية بالسعر السوقي بدلًا من السعر المحاسبي القانوني البالغ نحو 42.22 دولار للأونصة، وهو السعر المستخدم في حساب القيمة الدفترية للاحتياطيات الرسمية.

وتبلغ الاحتياطيات الأمريكية نحو 261.5 مليون أونصة وفق الأرقام التي استندت إليها المقابلة. ويؤدي احتسابها بسعر السوق إلى قيمة أعلى بكثير من القيمة الدفترية الحالية، لكن تحويل هذا الفارق إلى موارد مالية قابلة للاستخدام ليس إجراءً تلقائيًا.

فإعادة التقييم تتطلب إطارًا قانونيًا ومحاسبيًا واضحًا، ولا تعني في حد ذاتها زيادة الثروة الحقيقية للاقتصاد أو توافر سيولة جديدة بالمقدار نفسه. كما أن أي أثر نقدي أو مالي يتوقف على آلية التنفيذ والقرارات الرسمية المصاحبة.

ويشير هذا السيناريو إلى اتساع النقاش بشأن دور الذهب في النظام المالي الأمريكي، لكنه لا يمثل قرارًا معلنًا بإعادة تقييم الاحتياطيات.

هل يواجه الاحتياطي الفيدرالي معادلة أصعب؟

يرى إينيكو أن ارتفاع الدين الحكومي الأمريكي يجعل تكرار تجربة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق بول فولكر، الذي رفع أسعار الفائدة إلى مستويات شديدة الارتفاع لمواجهة التضخم في أوائل الثمانينيات، أكثر صعوبة في الظروف الحالية.

وتتمثل المعضلة في أن رفع الفائدة قد يساعد على احتواء التضخم، لكنه يزيد تكلفة الاقتراض وخدمة الدين ويضغط على النشاط الاقتصادي. وفي المقابل، فإن الإبقاء على سياسة نقدية أقل تشددًا قد يطيل أمد الضغوط التضخمية إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.

ومع ذلك، فإن اعتبار ارتفاع العوائد دليلًا قاطعًا على فقدان الاحتياطي الفيدرالي السيطرة على العملة يظل استنتاجًا لإينيكو، وليس حقيقة اقتصادية محسومة؛ إذ تتأثر العوائد أيضًا بتوقعات النمو والعرض والطلب على السندات ومخاطر الدين والسياسة المالية.

وتبقى الرسالة الأساسية للأسواق أن مسار الذهب لن يتحدد بالتضخم وحده، بل بالتفاعل بين أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية والدولار، بينما سيظل اتجاه السندات الأمريكية عاملًا محوريًا في قرارات المستثمرين والمدخرين خلال المرحلة المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى