وارن تفتح النار على تقرير بنك SVB.. هل يحاول الاحتياطي الفيدرالي إعادة كتابة أسباب الانهيار؟

عاد انهيار بنك سيليكون فالي (SVB) إلى واجهة الجدل المصرفي في الولايات المتحدة، بعدما فجّر تقرير مستقل جديد خلافًا سياسيًا حول المسؤولية عن أكبر انهيارات القطاع المصرفي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة.
وانتقدت السيناتورة الأمريكية إليزابيث وارن النتائج الأولية للمراجعة، معتبرة أن تقديمها باعتبارها نفيًا لدور تخفيف القيود التنظيمية يمثل، بحسب وصفها، «محاولة محرجة لإعادة كتابة التاريخ».
وجاء موقف وارن بعد عرض ميشيل بومان، نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشؤون الإشراف، النتائج الأولية لمراجعة مستقلة أجرتها Starling Advisory Group بتكليف من الاحتياطي الفيدرالي.
لكن التقرير لا يضع المسؤولية على عامل واحد؛ بل يركز بصورة أساسية على إخفاقات الإشراف والتردد في اتخاذ إجراءات حاسمة رغم رصد نقاط ضعف داخل البنك قبل انهياره.
ماذا كشف التقرير الجديد عن انهيار SVB؟
أظهرت النتائج الأولية أن المشرفين في الاحتياطي الفيدرالي كانوا على علم، أو كان يفترض أن يكونوا على علم، بمواطن ضعف مهمة لدى سيليكون فالي بنك قبل انهياره بوقت طويل.
وتشير المراجعة إلى أن المشكلة لم تكن غياب المعلومات بالكامل، وإنما عدم التحرك بالسرعة والحسم المطلوبين لمعالجة المخاطر التي كانت تتراكم داخل البنك.
ووفق بومان، خلص التقرير إلى أن ما وصفته بـ**«ثقافة تجنب المخاطر»** داخل عملية الإشراف ساهمت في تأخير الإجراءات.
وبعبارة أخرى، كان بعض المشرفين يخشون اتخاذ موقف قد يتبين لاحقًا أنه خاطئ، وهو ما أدى إلى التردد بدلًا من التدخل المبكر.
هل برّأ التقرير تخفيف القيود المصرفية؟
هنا تبدأ المعركة السياسية.
ترى بومان أن النتائج الأولية لا تدعم الاستنتاج القائل إن التعديلات التنظيمية التي خففت بعض المتطلبات على البنوك المتوسطة كانت السبب في فشل الإشراف على SVB.
وتختلف هذه الرواية عن مراجعة الاحتياطي الفيدرالي السابقة التي أُجريت بعد الانهيار تحت قيادة مايكل بار، والتي أشارت إلى أن التغييرات التنظيمية التي أُقرت في 2018 ربما حدّت من فعالية الإشراف على البنوك التي نما حجمها وتعقيدها بسرعة.
أما المراجعة الجديدة، فتضع التركيز بدرجة أكبر على طريقة ممارسة الإشراف نفسها، وليس على تخفيف القواعد باعتباره العامل الحاسم.
وهذا الفارق هو الذي أعاد ملف SVB إلى قلب النقاش حول مستقبل التنظيم المصرفي الأمريكي.
وارن ترفض الرواية الجديدة
ردت وارن، العضو البارز في اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، بقوة على عرض بومان للنتائج.
وقالت إن المراجعة الجديدة لا ينبغي استخدامها لتجاهل ما وصفته بإخفاقات الرقابة وتخفيف القيود التي سبقت انهيار البنك.
وفي بيان صدر بعد تصريحات بومان، اتهمت وارن المراجعة بأنها تقدم رواية تبرئ بومان وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المسؤولية السياسية عن تخفيف القيود.
كما حذرت من أن استخدام نتائج التقرير لتبرير مزيد من إلغاء القيود المصرفية قد يؤدي إلى مخاطر جديدة.
وهذه النقطة تحديدًا يجب قراءتها باعتبارها موقفًا سياسيًا لوارن، وليس استنتاجًا مستقلاً أثبته التقرير.
أين يقف الاحتياطي الفيدرالي؟
بومان قدمت المراجعة باعتبارها محاولة لفهم ما حدث داخل عملية الإشراف، وليس لتوزيع اللوم السياسي.
وقالت إن الهدف من المراجعة هو الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية: هل اكتشف المشرفون نقاط ضعف SVB مبكرًا؟ ولماذا لم يتخذوا إجراءات حاسمة؟ وهل ساهمت إجراءات الإشراف أو عدم اتخاذها في انهيار البنك؟
وأكدت أن المراجعة لا تستهدف تحميل شخص بعينه المسؤولية، وإنما استخلاص الدروس التي يمكن أن تمنع تكرار الأزمة.
لكن النتيجة العملية أكثر حساسية؛ إذ تضع أداء المشرفين أنفسهم تحت المجهر، في وقت يدفع فيه الاحتياطي الفيدرالي نحو تغييرات في آليات الإشراف واختبارات الضغط المصرفية.
ماذا حدث لـSVB في 2023؟
انهار سيليكون فالي بنك في مارس 2023 بعد تعرضه لضغوط حادة على السيولة وسحب سريع للودائع.
وكان البنك يمتلك محفظة كبيرة من السندات والأصول ذات الدخل الثابت، التي تعرضت لخسائر غير محققة مع ارتفاع أسعار الفائدة.
وفي الوقت نفسه، كان جزء كبير من قاعدة ودائعه مرتبطًا بقطاع الشركات الناشئة والتكنولوجيا، مع نسبة مرتفعة من الودائع غير المؤمن عليها.
ومع تزايد المخاوف بشأن الوضع المالي للبنك، تسارعت عمليات سحب الودائع، لتنتهي الأزمة باستحواذ السلطات التنظيمية على البنك.
وأصبح SVB ثاني أكبر فشل مصرفي في تاريخ الولايات المتحدة وقت انهياره، كما امتدت تداعيات الأزمة إلى Signature Bank وFirst Republic Bank، ما دفع الحكومة الأمريكية إلى تدخلات استثنائية لاحتواء مخاطر العدوى المالية.
هل كانت وسائل التواصل الاجتماعي سبب الانهيار؟
التقرير الجديد يختلف أيضًا مع رواية شائعة أخرى بشأن الأزمة.
فبحسب النتائج التي عرضتها بومان، لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي العامل الرئيسي وراء انهيار SVB، إذ تشير المراجعة إلى أن معظم النشاط المرتبط بأزمة السحب ظهر بعد أن أصبح انهيار البنك شبه حتمي.
وتضع هذه النتيجة التركيز مجددًا على المشكلات المالية والرقابية التي سبقت التدافع على الودائع، بدلًا من تحميل المنصات الرقمية المسؤولية الرئيسية عن تسارع الأزمة.
لماذا تعود قضية SVB الآن؟
أهمية التقرير تتجاوز مراجعة حدث وقع قبل أكثر من ثلاث سنوات.
فالنتائج قد تؤثر في النقاش الجاري حول رأس المال المصرفي، والسيولة، واختبارات الضغط، والإشراف على البنوك، ومدى الحاجة إلى تشديد أو تخفيف القواعد.
وتدفع بومان في الوقت نفسه نحو إصلاحات في عملية الإشراف، بما في ذلك تحسين قدرة المشرفين على اكتشاف المخاطر والتعامل معها قبل تحولها إلى أزمة.
وفي المقابل، يخشى منتقدو التخفيف التنظيمي من أن يؤدي تقليص المتطلبات إلى زيادة تعرض البنوك للصدمات، بينما يرى مؤيدو تخفيف القيود أن التنظيم المفرط يمكن أن يرفع تكلفة العمل المصرفي ويحد من قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد.
المعركة الحقيقية: القواعد أم الرقابة؟
الجدل حول SVB يكشف أن السؤال لم يعد فقط: هل كانت القواعد المصرفية الأمريكية كافية؟
بل أصبح أيضًا: هل كان المشرفون يستخدمون القواعد الموجودة بالفعل بالسرعة والحسم الكافيين؟
فحتى القواعد الصارمة لا تمنع الأزمة إذا لم تُكتشف المخاطر مبكرًا، بينما قد لا يكون تخفيف بعض المتطلبات هو العامل الوحيد وراء انهيار بنك إذا كانت الإدارة والمشرفون قادرين على تحديد نقاط الضعف والتعامل معها في الوقت المناسب.
وهذه هي المنطقة التي يلتقي فيها التقرير الجديد مع حقيقة أكثر تعقيدًا: انهيار SVB لم يكن نتيجة عامل واحد منفصل، بل نتيجة تفاعل بين إدارة المخاطر، وهيكل الودائع، وارتفاع أسعار الفائدة، والسيولة، والإشراف التنظيمي.
تقرير أولي وليس الكلمة الأخيرة
من المهم أيضًا عدم التعامل مع النتائج باعتبارها حكمًا نهائيًا.
فالمادة التي نشرتها Starling Insights في 21 سبتمبر تحمل صفة «مسودة أولية متاحة للمراجعة العامة»، وتوضح أن Starling Advisory Group كُلفت بفحص إخفاقات الإشراف التي ربما ساهمت في انهيار SVB، واختبار الرواية السائدة حول الأزمة، ثم تقديم توصيات للإصلاح.
وبالتالي، فإن النتائج الحالية قد تخضع للمراجعة قبل صدور الصيغة النهائية.
كما أن الخلاف السياسي حول تفسيرها سيستمر على الأرجح، خصوصًا مع ارتباط الملف بمستقبل التنظيم المصرفي الأمريكي.
وأعاد تقرير SVB فتح ملف لم يُغلق سياسيًا أو تنظيميًا، فبومان تدفع باتجاه قراءة تركز على تردد المشرفين وضعف الحسم الرقابي، بينما ترى وارن أن هذه القراءة لا ينبغي أن تحجب أثر تخفيف القيود التنظيمية والإخفاقات التي سبقت الانهيار.
وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الأهم بالنسبة للقطاع المصرفي هي أن اكتشاف المخاطر لا يكفي وحده؛ فالقيمة الحقيقية للإشراف تظهر في سرعة تحويل هذه المعلومات إلى إجراءات قبل أن تتحول الخسائر ومشكلات السيولة إلى أزمة ثقة.
ولهذا، فإن النسخة النهائية من مراجعة Starling، والإجراءات التي سيتخذها الاحتياطي الفيدرالي بعدها، ستكون أكثر أهمية من المعركة السياسية حول من يملك الرواية الأفضل عن انهيار SVB.









