وفاة مبلّغ عن مخالفات إبستين تضع «FCA» تحت الضغط.. نواب يطالبون بتحقيق مستقل

دخلت هيئة السلوك المالي البريطانية «FCA» تحت ضغوط متزايدة لإجراء مراجعة مستقلة لطريقة تعاملها مع المبلّغين عن المخالفات، عقب وفاة المصرفي البريطاني السابق سايمون أندرييز، الذي كان قد قدم معلومات إلى جهات رقابية بريطانية وأمريكية بشأن مخالفات مزعومة في شركة كان يعمل بها، إلى جانب معلومات حول صلات مزعومة بين هوارد لوتنيك وجيفري إبستين.
وتطالب مجموعة من النواب والحملات المعنية بحماية المبلّغين بإسناد التحقيق إلى جهة خارجية مستقلة، بدلًا من الاكتفاء بمراجعة تجريها الهيئة نفسها.
وكانت وفاة أندرييز، البالغ 57 عامًا، قد أُبلغ عنها على أنها انتحار، إلا أن التغطيات المنشورة لم تتضمن حتى الآن إثباتًا رسميًا علنيًا يربط سبب الوفاة ببلاغاته أو بالخلافات التي خاضها مع الجهات الرقابية.
دعوات لفتح تحقيق مستقل في تعامل «FCA»
أعاد رحيل أندرييز إشعال الجدل حول طريقة تعامل هيئة السلوك المالي البريطانية مع الأشخاص الذين يكشفون عن مخالفات داخل المؤسسات المالية.
ودعا نواب بريطانيون، من بينهم النائب جون ماكدونيل، إلى إجراء تحقيق مستقل يراجع كيفية تعامل الهيئة مع أندرييز وملفاته، وما إذا كانت الإجراءات المتبعة وفرت له الحماية والدعم اللذين يفترض أن يحظى بهما المبلّغون.
ويرى مؤيدو التحقيق المستقل أن مراجعة القضية يجب ألا تقتصر على تقييم داخلي تجريه الجهة نفسها، وأن وجود طرف خارجي يمكن أن يساعد في تحديد مواطن القصور واستخلاص الدروس المتعلقة بنظام حماية المبلّغين.
أندرييز أبلغ جهات رقابية في بريطانيا والولايات المتحدة
كان أندرييز، وهو مصرفي سابق عمل لأكثر من 35 عامًا في الأسواق المالية، قد تقدم بمعلومات إلى جهات رقابية بريطانية وأمريكية بشأن مخالفات مزعومة في BGC Group، التي كان يشغل فيها منصبًا إداريًا.
كما قدم معلومات إلى جهات أمريكية بشأن هوارد لوتنيك وعلاقاته التجارية المزعومة بجيفري إبستين، وهي ادعاءات ظلت ضمن إطار البلاغات والوثائق التي قدمها أندرييز ولا تمثل حكمًا قضائيًا بثبوت ارتكاب مخالفات من جانب لوتنيك.
وقالت تقارير حديثة إن المعلومات التي قدمها أندرييز إلى جهات أمريكية ارتبطت بإجراءات وعقوبات مالية ضد BGC، فيما حصل لاحقًا على مكافأة من لجنة تداول العقود الآجلة للسلع الأمريكية مقابل معلومات قدمها في إحدى القضايا.
خلاف حول استجابة «FCA» لبلاغاته
كان أندرييز قد انتقد علنًا طريقة تعامل FCA مع المعلومات التي قدمها، وقال إن الهيئة لم تتعامل مع عدد من ادعاءاته بالقدر الكافي، وإن ما اتخذته من إجراءات إشرافية لم يكن متناسبًا، من وجهة نظره، مع خطورة البلاغات.
وبحسب تقارير إعلامية، كانت الهيئة قد أشارت إلى أنها اتخذت إجراءات إشرافية استنادًا إلى بعض المعلومات التي قدمها، بينما رأى أندرييز أن هذه الإجراءات لم تكن كافية وأنها لم توفر له الحماية التي طلبها باعتباره مبلّغًا.
كما اتهم أندرييز جهة عمله السابقة ومحاميها باتخاذ إجراءات انتقامية ضده، في حين نفت الشركة في تصريحات سابقة تعريضه للانتقام، وقالت إن لديها سياسات واضحة لحماية المبلّغين.
الهيئة تفتح مراجعة داخلية بعد وفاته
في أعقاب وفاته، قررت FCA مراجعة طريقة تفاعلها مع أندرييز ومع البلاغات التي قدمها.
وأسندت الهيئة المراجعة إلى ليا باترسون، التي انضمت حديثًا إلى مجلس إدارة الهيئة كعضو غير تنفيذي، وتملك خبرة سابقة في بنك إنجلترا والقطاع العام والتنظيم المالي.
وقالت الهيئة إنها تريد من المراجعة تحديد الدروس التي يمكن الاستفادة منها مستقبلًا، بينما تخطط لنشر نتائجها بحلول نهاية العام.
لماذا يرفض النواب الاكتفاء بالمراجعة الداخلية؟
ترى المجموعة النيابية التي تطالب بتحقيق مستقل أن القضية تتجاوز التعامل مع حالة فردية، وتمس الثقة في نظام الإبلاغ عن المخالفات داخل القطاع المالي.
وبحسب هذا الطرح، فإن قيمة نظام المبلّغين تعتمد على ثقة الموظفين في أن تقديم المعلومات إلى الجهات الرقابية لن يؤدي إلى كشف هوياتهم أو تركهم دون حماية عندما يواجهون تبعات شخصية أو مهنية.
وقال ماكدونيل إن المبلّغين يمثلون عنصرًا أساسيًا في النظام الرقابي المالي، وإن تراجع ثقتهم في قدرتهم على أن تتم معاملتهم بصورة مناسبة والاستماع إليهم وحمايتهم قد ينعكس على فعالية الرقابة نفسها.
ملف لوتنيك وإبستين يبقى منفصلًا عن مسؤولية «FCA»
برز اسم أندرييز على نطاق أوسع بعدما قدم معلومات ووثائق تتعلق بادعاءات حول علاقة أعمال بين لوتنيك وإبستين.
لكن التعامل الصحفي الدقيق مع الملف يتطلب الفصل بين أمرين: الأول هو وجود وثائق وادعاءات قدمها أندرييز وأثارت اهتمامًا سياسيًا ورقابيًا، والثاني هو ثبوت أي مخالفة قانونية أو جنائية على الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في هذه الادعاءات.
ولا يثبت طلب التحقيق في تعامل «FCA» مع أندرييز صحة تلك الادعاءات، بل يركز تحديدًا على كيفية استقبال الهيئة لبلاغاته وتعاملها مع وضعه كمبلّغ.
اختبار جديد لنظام حماية المبلّغين
تأتي القضية في وقت تؤكد فيه «FCA» رسميًا أهمية البلاغات باعتبارها إحدى أدوات اكتشاف المخالفات في القطاع المالي؛ فقد قالت الهيئة إنها تلقت 1375 بلاغًا جديدًا خلال السنة المالية 2025/2026، وإن المعلومات التي قدمها المبلّغون قادت إلى 523 حالة إجراء مباشر خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المبلّغين يمثلون جزءًا مهمًا من البنية الرقابية للهيئة، وهو ما يجعل الجدل حول قضية أندرييز مرتبطًا بسؤال أوسع: هل توفر المنظومة الحالية حماية عملية كافية للأشخاص الذين يرفعون تحذيرات إلى الجهات الرقابية؟
النتيجة تتوقف على ما ستكشفه المراجعة
تواجه «FCA» الآن مسارين متوازيين: مراجعة داخلية تقودها شخصية مستقلة نسبيًا داخل مجلس الهيئة، وضغوط سياسية من أجل تحقيق خارجي مستقل.
وسيكون الاختبار الأهم هو ما إذا كانت المراجعة ستوضح بصورة تفصيلية طبيعة البلاغات التي تلقاها أندرييز، والإجراءات التي اتخذتها الهيئة بشأنها، وكيف تعاملت مع المخاوف المتعلقة بحمايته كمبلّغ.
وبغض النظر عن نتيجة هذه المراجعة، فقد أعادت القضية ملف حماية المبلّغين في القطاع المالي البريطاني إلى واجهة النقاش، ووضعت الجهة الرقابية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على ضمان أن يكون الإبلاغ عن المخالفات أداة فعالة للرقابة، لا مصدرًا لمخاطر إضافية على من يستخدمها.









