365 تريليون دولار.. ديون العالم تقفز والذكاء الاصطناعي والدفاع يشعلان موجة الاقتراض

تجاوز الدين العالمي 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من 2026، بعدما أضافت الحكومات والشركات والأسر والمؤسسات المالية أكثر من 10 تريليونات دولار إلى إجمالي المديونية خلال ستة أشهر، وفق أحدث بيانات معهد التمويل الدولي.

ورغم أن الزيادة جاءت بأقل من نصف الارتفاع المسجل خلال الفترة نفسها من 2025 والبالغ 21 تريليون دولار، فإن المعهد يحذر من أن موجة الاقتراض الحالية تختلف عن الدورات السابقة؛ إذ تغذيها دورة إنفاق طويلة الأجل على الذكاء الاصطناعي والطاقة والدفاع والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، في وقت أصبحت فيه تكلفة الاقتراض وإعادة التمويل أعلى بصورة هيكلية.

10 تريليونات دولار ترفع الدين العالمي إلى مستوى قياسي

أظهر أحدث تقرير لـمرصد الدين العالمي أن إجمالي الدين العالمي وصل إلى نحو 365.5 تريليون دولار بنهاية يونيو 2026، مسجلًا زيادة تتجاوز 10 تريليونات دولار منذ بداية العام.

وكانت وتيرة تراكم الديون أبطأ بوضوح من النصف الأول من 2025، عندما ارتفع الإجمالي بنحو 21 تريليون دولار، وهو ما يعكس تأثير ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف خدمة الدين وصعود أسعار الطاقة والضغوط التي خلقتها الحرب المرتبطة بإيران على شهية الاقتراض.

لكن تباطؤ الزيادة لا يعني انخفاض المخاطر؛ إذ واصل الدين العالمي الارتفاع، بينما سجلت الحكومات والشركات غير المالية مستويات قياسية جديدة.

الأسواق الناشئة تتحمل الجزء الأكبر من الزيادة

استحوذت الأسواق الناشئة على الجزء الأكبر من الزيادة، بعدما أضافت نحو 6.5 تريليون دولار إلى ديونها خلال النصف الأول من العام، ليرتفع إجمالي ديونها إلى نحو 110.6 تريليون دولار.

وتصدرت الصين الزيادة بين الاقتصادات الناشئة، بينما ارتفعت ديون اقتصادات أخرى تحت ضغط تكاليف الاقتراض والطاقة والاحتياجات التمويلية.

وبلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة أكثر من 235%، وهو مستوى قياسي وفق البيانات التي أوردها التقرير، ما يعكس اتساع فجوة المديونية رغم اختلاف القدرة على تحملها من اقتصاد إلى آخر.

أمريكا والصين ومنطقة اليورو تقود معظم تراكم الدين

تركزت ثلاثة أرباع الزيادة الصافية في الدين العالمي تقريبًا في الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو، مع استمرار الحكومات في تمويل احتياجاتها من خلال أسواق السندات.

وفي الولايات المتحدة، تجاوزت نسبة الدين الحكومي 122% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصلت المديونية الصينية عبر قطاعات الاقتصاد المختلفة إلى مستويات قياسية جديدة.

ويكشف ذلك أن مشكلة الدين لم تعد مقصورة على الاقتصادات النامية؛ بل أصبحت مرتبطة أيضًا بتوسع الإنفاق والاحتياجات التمويلية في أكبر اقتصادات العالم.

الذكاء الاصطناعي يضيف دورة اقتراض جديدة للشركات

يرى معهد التمويل الدولي أن موجة الدين الحالية ترتبط بدرجة متزايدة بما يمكن وصفه بـدورة إنفاق استراتيجية فائقة، بعدما أصبحت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية تحتاج إلى كميات ضخمة من رأس المال.

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تسع شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي قد تصدر نحو 1.2 تريليون دولار من السندات بين 2026 و2030 لتمويل الإنفاق الرأسمالي.

وهذا يعني أن جزءًا من الاقتراض الجديد لا يذهب فقط إلى سد العجز أو إعادة تمويل الدين القائم، وإنما إلى تمويل استثمارات ضخمة يفترض أن تحقق عوائد ونموًا في المستقبل.

الدفاع والطاقة والبنية التحتية توسع شهية الحكومات للاقتراض

لا يقتصر الإنفاق الدافع إلى المديونية على الذكاء الاصطناعي، إذ تتزايد احتياجات الحكومات لتمويل الدفاع وأمن الطاقة والبنية التحتية والرعاية الصحية.

ويتوقع التقرير أن تؤدي زيادة الالتزامات الدفاعية، خصوصًا في أوروبا، إلى إضافة ما يصل إلى 18 نقطة مئوية إلى نسب الدين الحكومي في الاتحاد الأوروبي خلال العقد المقبل.

وبذلك تواجه الحكومات معادلة أكثر صعوبة: الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية يتطلب تمويلًا ضخمًا، بينما تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين القائم والجديد.

فائدة الدين أصبحت تلتهم موارد ضخمة

وصل متوسط تكاليف الاقتراض الحكومي في دول مجموعة السبع إلى أعلى مستوى له منذ منتصف 2008، بينما ارتفعت نفقات الفائدة السنوية بنحو 85%.

وخلال العام الماضي، دفعت الاقتصادات المتقدمة أكثر من 3.5 تريليون دولار فوائد على السندات الحكومية المتداولة دوليًا، وهو رقم يتجاوز تقديرات الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة كل على حدة، وفق تحليل البيانات الواردة في تقرير معهد التمويل الدولي.

وتعني هذه الأرقام أن ارتفاع الدين لا يمثل المشكلة الوحيدة؛ فتكلفة خدمة هذا الدين أصبحت في حد ذاتها بندًا متناميًا يضغط على الموازنات.

الدين إلى الناتج يتحسن ظاهريًا.. لكن التضخم يخفي جزءًا من المشكلة

بلغت نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 310%، أي أقل بنحو 25 نقطة مئوية من ذروة أوائل 2021.

لكن معهد التمويل الدولي يحذر من تفسير هذا التحسن باعتباره خفضًا فعليًا للمديونية، لأن ارتفاع التضخم يرفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي الاسمية، وبالتالي يجعل نسبة الدين تبدو أقل حتى مع استمرار ارتفاع حجم الدين الفعلي.

وبعبارة أخرى، فإن جزءًا من تحسن النسبة يرجع إلى ارتفاع المقام، وليس انخفاض البسط.

9 تريليونات دولار استحقاقات للأسواق الناشئة

تواجه الأسواق الناشئة اختبارًا إضافيًا مع اقتراب آجال استحقاق ضخمة؛ إذ تتجاوز قيمة عمليات الاسترداد وإعادة التمويل لديها 9 تريليونات دولار، بينما تواجه الأسواق المتقدمة أكثر من 20 تريليون دولار من السندات والقروض التي تحتاج إلى إعادة تمويل.

وتصبح المخاطر أكبر بالنسبة للمقترضين الذين استفادوا سابقًا من أسعار فائدة شديدة الانخفاض، لأن إعادة التمويل في البيئة الحالية قد تتم بتكلفة أعلى بكثير.

ويعني ذلك أن المشكلة المقبلة قد لا تكون في القدرة على الاقتراض فقط، بل في السعر الذي سيضطر المقترضون إلى دفعه للحصول على التمويل.

الهدوء الحالي في الأسواق قد يخفي خطرًا أكبر

رغم حجم الدين، لم تظهر حتى الآن أزمة ائتمانية عالمية واسعة، ولا تزال أسواق السندات قادرة على استيعاب الإصدارات الكبيرة.

لكن استمرار الاستقرار يعتمد على مجموعة من الشروط، أبرزها بقاء النمو العالمي متماسكًا، وعدم ارتفاع التضخم مجددًا بصورة حادة، واستمرار قدرة المستثمرين على استيعاب الإصدارات الجديدة.

ويرى معهد التمويل الدولي أن الخطر يكمن في تزامن ضعف النمو وارتفاع التضخم والعوائد المرتفعة واحتياجات إعادة التمويل، لأن اجتماع هذه العوامل قد يحول مشكلة المديونية من عبء يمكن إدارته إلى أزمة سيولة أو ائتمان في قطاعات محددة.

مصر ضمن الاقتصادات الناشئة الأكثر تأثرًا بديناميكيات الاقتراض

وتأتي مصر ضمن الاقتصادات الناشئة التي أشار التقرير إلى ارتفاع معدلات الاقتراض فيها، إلى جانب دول مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين.

ولا يعني ذلك أن التقرير يصنف مصر باعتبارها في أزمة ديون، لكن إدراجها ضمن الاقتصادات التي شهدت ارتفاعًا في المديونية يضع تكلفة التمويل وحجم الاستحقاقات وتطور النمو الاقتصادي وسعر الصرف ضمن العوامل الأساسية التي تحدد قدرة أي اقتصاد ناشئ على إدارة أعبائه المالية.

365 تريليون دولار.. الرقم الأكبر هو هامش المناورة الأقل

توضح أحدث بيانات معهد التمويل الدولي أن العالم لا يواجه مجرد ارتفاع جديد في حجم الدين، وإنما يدخل مرحلة تصبح فيها تكلفة رأس المال وإعادة التمويل عاملين حاسمين في تحديد قدرة الحكومات والشركات على مواصلة الإنفاق والاستثمار.

ومع استمرار تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة والبنية التحتية بالاقتراض، يمكن أن يظل الدين العالمي في مسار صاعد حتى مع تراجع سرعة الزيادة.

لذلك، فإن وصول الدين إلى 365.5 تريليون دولار لا يمثل مجرد رقم قياسي جديد، بل يكشف عن اقتصاد عالمي أصبح أكثر اعتمادًا على استمرار تدفق التمويل بشروط مقبولة، فيما تضيق مساحة المناورة كلما ارتفعت الفائدة أو تباطأ النمو أو زادت ضغوط إعادة التمويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى