365 تريليون دولار ديون عالمية.. العملات المستقرة تتحول إلى مشتري جديد لسندات أمريكا

بلغ الدين العالمي مستوى قياسيًا عند نحو 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة تقارب 10 تريليونات دولار في ستة أشهر، في وقت يشهد فيه سوق سندات الخزانة الأمريكية تحولًا تدريجيًا في قاعدة المستثمرين مع تراجع الطلب من بعض الحكومات الأجنبية وصعود مستثمرين من القطاع الخاص، بينهم مصدرو العملات المستقرة.

ويشير أحدث بحث لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو إلى أن حيازات مُصدري العملات المستقرة من سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت بقوة خلال السنوات الأخيرة، وأن استمرار هذا المسار قد يرفع الطلب على أدوات الدين الأمريكية قصيرة الأجل إلى نحو 400 مليار دولار بحلول نهاية 2030.

365 تريليون دولار.. الدين العالمي يسجل رقمًا قياسيًا

أظهر أحدث مؤشر لمراقبة الدين العالمي الصادر عن معهد التمويل الدولي أن إجمالي الديون في الاقتصادات العالمية تجاوز 365 تريليون دولار في النصف الأول من 2026، بزيادة تقارب 10 تريليونات دولار خلال ستة أشهر.

ويشمل هذا الرقم ديون الحكومات والأسر والشركات غير المالية والقطاع المالي في أكثر من 100 اقتصاد، ما يجعله مقياسًا لإجمالي المديونية العالمية وليس للدين الحكومي وحده.

وكانت الأسواق الناشئة المصدر الأكبر للزيادة خلال النصف الأول من العام، بعدما ارتفعت مديونيتها بنحو 6.5 تريليون دولار لتصل إلى نحو 110 تريليونات دولار، مع تصدر الصين الزيادة داخل المجموعة.

ورغم تسجيل مستوى قياسي جديد، كان نمو الدين خلال النصف الأول من 2026 أقل من نصف الزيادة البالغة نحو 21 تريليون دولار في الفترة نفسها من 2025، وفق معهد التمويل الدولي.

الصين تقلص مشترياتها.. ومصدر جديد يدخل السوق

بالتوازي مع تضخم الدين العالمي، يلفت الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو إلى تغير في تركيبة المستثمرين الذين يمولون الدين الأمريكي.

فخلال السنوات الماضية، تراجعت حصة المستثمرين الأجانب من سوق سندات الخزانة الأمريكية، بالتزامن مع انخفاض حيازات بعض الحكومات الأجنبية، وفي مقدمتها الصين، التي تعمل منذ سنوات على تنويع أصولها بعيدًا عن الدين الأمريكي.

وفي المقابل، ظهر مصدر جديد للطلب هو مُصدرو العملات المستقرة، الذين زادت حيازاتهم من أوراق الخزانة الأمريكية بشكل حاد مع اتساع سوق هذه العملات.

ويشير بحث الاحتياطي الفيدرالي إلى أن مُصدري العملات المستقرة أضافوا خلال السنوات الخمس الماضية نحو 200 مليار دولار إلى حيازاتهم من الأوراق المالية الحكومية الأمريكية، وهو ما يعادل أكثر من 40% من الانخفاض في حيازات الصين خلال الفترة نفسها، بحسب المقارنة الواردة في الدراسة.

لماذا تشتري العملات المستقرة سندات الخزانة؟

ترتبط هذه التحركات مباشرة بطبيعة العملات المستقرة نفسها.

فهذا النوع من الأصول الرقمية مصمم للحفاظ على قيمة ثابتة مرتبطة عادة بالدولار الأمريكي، ما يفرض على المصدر الاحتفاظ باحتياطيات سائلة وآمنة يمكن استخدامها لتلبية طلبات الاسترداد.

ولهذا الغرض، يعتمد كبار مُصدري العملات المستقرة على سندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل إلى جانب النقد والودائع المصرفية واتفاقات إعادة الشراء وأصول سائلة أخرى.

وتشبه هذه الآلية من بعض جوانبها احتفاظ البنوك بمستويات من السيولة لمواجهة عمليات السحب، لأن فقدان ثقة حاملي العملات المستقرة في إمكانية استردادها بالقيمة الاسمية قد يؤدي إلى ضغوط شبيهة بعمليات السحب على المؤسسات المالية.

قانون أمريكي جديد يربط الإصدار بالاحتياطيات

اكتسب هذا الاتجاه بعدًا تنظيميًا إضافيًا عقب إقرار قانون GENIUS في يوليو 2025، الذي وضع إطارًا اتحاديًا للعملات المستقرة المستخدمة في المدفوعات.

ويفرض القانون على الجهات المسموح لها بالإصدار الاحتفاظ باحتياطيات لا تقل عن قيمة العملات المستقرة القائمة، وأن تتكون هذه الاحتياطيات من أصول مؤهلة تشمل النقد وبعض الودائع المصرفية وسندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل وأدوات مالية حكومية محددة.

ويعني ذلك أن نمو سوق العملات المستقرة يمكن أن يترجم، بشكل غير مباشر، إلى زيادة إضافية في الطلب على أدوات الدين الحكومي الأمريكي قصيرة الأجل.

400 مليار دولار.. توقعات بزيادة طلب العملات المستقرة

بحسب بحث الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، فإن استمرار الاتجاه الحالي لنمو حيازات مُصدري العملات المستقرة قد يدفع طلبهم على سندات الخزانة قصيرة الأجل إلى نحو 400 مليار دولار بنهاية 2030.

ورغم أن هذا الرقم سيظل أقل بكثير من احتياجات الحكومة الأمريكية لتمويل العجز وإعادة تمويل الديون، فإن البنك يرى أن حجم الطلب قد يصبح مهمًا بما يكفي للتأثير في سوق أدوات الخزانة قصيرة الأجل.

وتضيف الدراسة أن أبحاثًا أخرى أشارت بالفعل إلى أن الطلب من مُصدري العملات المستقرة أصبح كبيرًا بما يسمح بظهور أثر قابل للقياس على عوائد بعض السندات الحكومية قصيرة الأجل.

طلب جديد لا يعوض تراجع الصين بالكامل

ورغم صعود العملات المستقرة، فإنها لا تحل محل الطلب الحكومي الأجنبي على سندات الخزانة بصورة كاملة.

فهناك اختلاف في طبيعة الأدوات التي يشتريها الطرفان؛ إذ تركز العملات المستقرة بصورة أكبر على الاستحقاقات القصيرة، بينما جاء الجزء الأكبر من تراجع حيازات الصين في الدين الأطول أجلًا.

ولهذا يرى الاحتياطي الفيدرالي أن العملات المستقرة يمكن أن تخفف جزءًا من أثر تراجع الطلب الصيني، لكنها لا تمثل بديلًا كاملًا عن قاعدة المستثمرين التقليدية في سوق الخزانة الأمريكية.

365 تريليون دولار تضع التمويل العالمي أمام اختبار جديد

يتزامن صعود العملات المستقرة كمصدر جديد للطلب على السندات الأمريكية مع وصول الدين العالمي إلى 365 تريليون دولار، ما يعكس اتساع احتياجات الاقتراض لدى الحكومات والشركات والقطاع المالي والأسر.

ويرى محللو سوق الدين أن استمرار ارتفاع عوائد السندات يزيد تكلفة خدمة هذا الدين، خصوصًا في الاقتصادات المتقدمة التي تواجه مستويات مرتفعة من الاقتراض. وقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن ارتفاع العوائد العالمية يضغط بصورة مباشرة على المالية العامة عبر زيادة أعباء الفائدة.

وفي الولايات المتحدة، أدى ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى زيادة أهمية السؤال المتعلق بمن سيستوعب الإصدارات المتزايدة من سندات الخزانة في السنوات المقبلة، خصوصًا مع تراجع بعض مصادر الطلب التقليدية.

العملات المستقرة تتحول إلى جزء من معادلة الدين الأمريكي

تكشف هذه التطورات عن تغير أوسع في سوق التمويل العالمي؛ فمشكلة الدين لم تعد مرتبطة فقط بحجم الاقتراض، وإنما أيضًا بهُوية الجهات التي تمول هذا الاقتراض وكيفية تغير قاعدة المستثمرين.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه مديونية الاقتصاد العالمي، تظهر العملات المستقرة كقناة مالية حديثة يمكن أن تولد طلبًا متزايدًا على سندات الخزانة الأمريكية، خصوصًا قصيرة الأجل.

ومع إمكانية وصول هذا الطلب إلى 400 مليار دولار بحلول 2030، قد تصبح العملات المستقرة أحد العناصر التي يجب أخذها في الاعتبار عند تحليل مستقبل سوق الدين الأمريكي، حتى مع بقاء حجمها المتوقع أصغر بكثير من الاحتياجات التمويلية للحكومة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى