7.57 % تهز بورصة كوريا.. الذكاء الاصطناعي يتحول من محرك للرهان إلى مصدر للقلق

لم يعد الذكاء الاصطناعي في كوريا الجنوبية مجرد قصة نمو تقود أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات؛ إذ تحولت الطفرة نفسها إلى مصدر مزدوج للقلق، بعدما هبط مؤشر كوسبي 7.57% في جلسة الخميس 15 أكتوبر 2026، بالتزامن مع تحرك رقابي طارئ على خلفية مخاطر سيبرانية مرتبطة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وجاء الهبوط الحاد في البورصة الكورية في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على إنتاج عوائد حقيقية ومستدامة، بينما تواجه المؤسسات المالية في الوقت نفسه موجة من الهجمات السيبرانية التي تشير السلطات إلى وجود مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي فيها.

كوسبي يخسر 7.57% في جلسة واحدة

أغلق مؤشر كوسبي عند 5554.22 نقطة، منخفضًا بنسبة 7.57%، بعدما سجل تراجعًا اقترب من 8% خلال جلسة التداول.

ودفع الهبوط الحاد البورصة الكورية إلى تفعيل آلية وقف التداول لمدة 20 دقيقة، في أول استخدام لهذه الآلية منذ نحو شهرين ونصف، في مؤشر على شدة التقلبات التي ضربت السوق.

وامتدت موجة البيع إلى أسهم الشركات الكبرى، إذ تراجعت أسهم سامسونج للإلكترونيات بنسبة 9.70%، بينما هبط سهم إس كيه هاينكس بنسبة 11.35%.

كما سجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات في الأسهم الكورية بقيمة بلغت نحو 2.9 تريليون وون، بما يعادل قرابة 2.15 مليار دولار.

هل بدأت الأسواق تشكك في عائدات الذكاء الاصطناعي؟

اللافت في موجة البيع أن المخاوف لم تتركز فقط على نتائج شركات الرقائق، وإنما امتدت إلى السؤال الأكبر: هل تستطيع طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تحقيق عوائد تبرر هذا الحجم من الاستثمارات؟

وقال سيو سانغ يونغ، المحلل في شركة ميراي أسيت للأوراق المالية، إن السوق أصبح أكثر حساسية تجاه استدامة جمع رأس المال، ومدى قدرة الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية على تحقيق دخل فعلي، وليس مجرد زيادة في الإيرادات المرتبطة بخدمات الذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه المخاوف تحولًا مهمًا في نظرة المستثمرين إلى القطاع؛ فبعد أن كان الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات صعود أسهم التكنولوجيا والرقائق، بدأت الأسواق تبحث بصورة أكبر عن العائد الحقيقي على الإنفاق الرأسمالي وقدرة الشركات على تحويل الطلب المتزايد إلى أرباح وتدفقات نقدية مستدامة.

الرقابة المالية تتدخل بعد موجة البيع

دفع الهبوط الحاد رئيس هيئة الرقابة المالية الكورية، لي إيوك وون، إلى الدعوة لعقد اجتماع طارئ لمراجعة أوضاع سوق الأسهم.

وشاركت في الاجتماع هيئة الخدمات المالية وبورصة كوريا، حيث خلصت الجهات الرقابية إلى أن السوق شهد عمليات بيع مبالغًا فيها، خصوصًا مع استمرار تحقيق قطاعات رئيسية، من بينها أشباه الموصلات والدفاع وبناء السفن، أرباحًا قوية.

كما أكدت الجهات الرقابية تشديد العقوبات على عمليات التلاعب في السوق والبيع على المكشوف غير القانوني، في محاولة للحد من البيع بدافع الذعر والحفاظ على استقرار التداولات.

وجاءت موجة البيع بعد تصاعد حالة القلق بشأن تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي، ومن بينها تصريحات هوك تان، الرئيس التنفيذي لشركة برودكوم، خلال فعالية في سنغافورة يوم 12 أكتوبر، والتي أثارت نقاشًا واسعًا حول طبيعة الرهان الاستثماري على القطاع.

16 شركة مالية في مرمى الهجمات السيبرانية

وفي الوقت الذي كان فيه المستثمرون يتعاملون مع مخاطر اقتصادية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كانت المؤسسات المالية الكورية تواجه خطرًا من نوع آخر.

فقد عقدت هيئة الخدمات المالية اجتماعًا طارئًا في وقت سابق من الأسبوع بعد تأكيد وقوع اختراقات استهدفت 16 شركة مالية، شملت بنوكًا ومنصات لتداول العملات المشفرة.

وكانت منصة جوباكس (Gopax)، التابعة لشركة Streami، من بين الجهات المتضررة، وسط مؤشرات على استخدام أدوات ذكاء اصطناعي في بعض الهجمات.

وأثارت هذه التطورات مخاوف جديدة بشأن قدرة المؤسسات المالية على حماية بيانات العملاء وأنظمتها في مواجهة جيل من الهجمات التي يمكن أن تستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات وتنفيذ عمليات التصيد والهجوم بصورة أكثر تطورًا.

رئيس كوريا الجنوبية يطالب بمراجعة شاملة

وتصاعد الاهتمام الرسمي بالملف بعد تصريحات للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، أشار فيها إلى ظهور مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض حوادث القرصنة التي استهدفت القطاع المالي.

وطالب الرئيس بإجراء مراجعة شاملة للوقوف على أسباب الهجمات وتحديد مستوى المخاطر التي تواجه المؤسسات المالية، خصوصًا في ظل تزايد الاعتماد على الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي داخل القطاع.

وهنا تتسع دائرة الخطر؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عامل يؤثر في تقييمات الأسهم، وإنما أصبح جزءًا من معادلة الأمن المالي وحماية البيانات واستمرارية الخدمات المصرفية.

كوريا تشدد قواعد الحماية من هجمات الذكاء الاصطناعي

ولا تبدأ التحركات الرقابية الكورية من الصفر؛ ففي يوليو، أصدرت هيئة الخدمات المالية إرشادات للتعامل مع التهديدات الأمنية المتقدمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل القطاع المالي.

وتتجه الهيئة الآن إلى إضافة مجموعة من الإجراءات الجديدة، أبرزها:

  • حصر ورسم خريطة للأنظمة المتصلة بالشبكات الخارجية.
  • رفع وتيرة فحوص الثغرات الأمنية في الشركات الكبيرة إلى مرتين سنويًا على الأقل.
  • تحديد مسؤوليات الرؤساء التنفيذيين ومسؤولي الأمن السيبراني بصورة أكثر وضوحًا.
  • دراسة توفير أنظمة مراقبة مشتركة قائمة على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الشركات المالية الصغيرة.

وتكشف نتائج مسح أجرته الجهات الرقابية عن جانب أكثر إثارة للقلق؛ إذ أشارت 130 شركة من أصل 555 شركة شملها الاستطلاع، بما يعادل 23.4%، إلى وجود أوجه قصور في منظومات الحماية، من بينها ضعف تحديثات الأمن وتقادم بعض الأنظمة.

الذكاء الاصطناعي أمام اختبار الثقة

وتضع التطورات الأخيرة كوريا الجنوبية أمام مفارقة اقتصادية لافتة.

فالدولة تراهن بقوة على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات باعتبارهما محركين رئيسيين للنمو والاستثمار، لكن ارتفاع تكلفة الرهان يفرض على الأسواق سؤالًا أكثر صعوبة حول العائد الحقيقي على الاستثمارات.

وفي المقابل، تفرض الهجمات السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي سؤالًا آخر على القطاع المالي: هل تستطيع المؤسسات حماية البنية الرقمية بالسرعة نفسها التي تتطور بها أدوات الهجوم؟

وبالتالي، فإن اختبار الذكاء الاصطناعي في كوريا الجنوبية لم يعد متعلقًا فقط بأرباح شركات الرقائق أو ارتفاع أسهم التكنولوجيا، بل أصبح اختبارًا لـثقة المستثمرين، وصلابة القطاع المالي، وقدرة المؤسسات على حماية أصولها الرقمية.

وقد يكون أداء السوق في الجلسات المقبلة مؤشرًا مهمًا على ما إذا كان هبوط الخميس يمثل موجة تصحيح حادة، أم بداية إعادة تقييم أوسع لأسهم الذكاء الاصطناعي وتوقعات الإنفاق المرتبطة بها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى