لماذا صعد الذهب عالميًا أسرع من مصر؟.. الدولار يكشف سر الفجوة السعرية

شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا جديدًا في السوق المصرية والبورصة العالمية خلال تعاملات الجمعة 14 أغسطس 2026، مدفوعة بتراجع الدولار وتقلص توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، في الوقت الذي كشفت فيه بيانات مبيعات التجزئة الأمريكية عن إشارة جديدة إلى تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن سعر جرام الذهب عيار 21 ارتفع بنحو 20 جنيهًا مقارنة بختام تعاملات أمس، ليسجل نحو 6260 جنيهًا، بينما صعدت الأوقية عالميًا بنحو 26 دولارًا إلى نحو 4376 دولارًا حتى وقت إعداد التقرير.

وسجل جرام الذهب عيار 24 نحو 7154 جنيهًا، وعيار 18 نحو 5366 جنيهًا، فيما بلغ سعر الجنيه الذهب نحو 50080 جنيهًا.

الذهب يكسب 320 جنيهًا في أغسطس.. والعالمي يقفز 8.3%

تكشف حركة الأسعار منذ بداية أغسطس عن صعود قوي للذهب، إذ ارتفع جرام عيار 21 بنحو 320 جنيهًا، من 5940 جنيهًا في بداية الشهر إلى 6260 جنيهًا حاليًا، بزيادة تقارب 5.4%.

وعالميًا، حققت الأوقية مكاسب أكبر، إذ صعدت بنحو 335 دولارًا خلال الفترة نفسها، من 4041 دولارًا إلى 4376 دولارًا، بزيادة تقارب 8.3%.

وهنا تظهر إحدى أهم زوايا السوق المصرية؛ فالذهب المحلي لم يتحرك بنفس سرعة الأوقية العالمية، نتيجة تداخل عوامل أخرى، أبرزها سعر صرف الدولار أمام الجنيه، وتغيرات العرض والطلب، وزيادة عمليات إعادة بيع الذهب مع ارتفاع الأسعار.

لماذا لم تنتقل القفزة العالمية بالكامل إلى السوق المصرية؟

أوضح فاروق أن تراجع الدولار أمام الجنيه، إلى جانب ارتفاع كميات الذهب المعاد بيعها في السوق، ساعدا على امتصاص جزء من أثر الصعود العالمي.

ومع ارتفاع الأسعار، لجأت شريحة من المواطنين إلى بيع جزء من حيازاتهم بهدف توفير السيولة، كما استفاد بعض الذين اشتروا الذهب عند مستويات مرتفعة في بداية العام من تحسن الأسعار للعودة إلى السوق.

وأدت زيادة عمليات إعادة البيع إلى رفع المعروض المحلي، بالتزامن مع تراجع نسبي في الطلب، وهو ما ساهم في توافر مختلف أوزان السبائك في الأسواق ومحال الصاغة، بما فيها الأوزان الصغيرة، دون ظهور نقص ملحوظ في المعروض.

مبيعات أمريكا تضع الفيدرالي أمام اختبار جديد

عالميًا، تلقى الذهب دعمًا إضافيًا من بيانات مبيعات التجزئة الأمريكية، التي تراجعت 0.6% في يوليو إلى 763.6 مليار دولار، مخالفة توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى ارتفاعها 0.1%.

ويمثل هذا الانخفاض أول تراجع في مبيعات التجزئة الأمريكية خلال تسعة أشهر، وجاء بعد زيادة 0.2% في يونيو، ما عزز المخاوف بشأن تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي خلال الربع الثالث.

وتحمل هذه البيانات أهمية خاصة للذهب، لأنها تضيف إلى مؤشرات سابقة بشأن تباطؤ الاقتصاد الأمريكي وتراجع ضغوط الأسعار، بما قد يقلل الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية.

الدولار يتراجع.. والذهب يجد مساحة جديدة للصعود

تراجع مؤشر الدولار إلى منطقة 99.50 نقطة عقب صدور بيانات التجزئة، وهو ما قدم دعمًا مباشرًا للمعدن النفيس.

فكلما تراجع الدولار، أصبح الذهب المقوم بالعملة الأمريكية أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى، كما أن انخفاض توقعات أسعار الفائدة يقلل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

وتشير أداة «سي إم إي فيد ووتش» إلى أن الأسواق تستخدم تسعير عقود الفائدة المستقبلية لتقدير احتمالات تحركات الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يجعل تغير هذه الاحتمالات أحد المحركات الرئيسية للذهب والدولار.

4500 دولار.. الحاجز الذي يراقبه الذهب

رغم استمرار الاتجاه الصعودي، فإن الذهب يواجه منطقة 4500 دولار للأوقية باعتبارها مستوى مهمًا أمام مواصلة الصعود، خاصة بعد موجة الارتفاع القوية التي دفعت المستثمرين إلى جني الأرباح.

ولا تزال احتمالات التراجع قائمة إذا عادت عوائد السندات الأمريكية إلى الارتفاع أو استعاد الدولار قوته، أو إذا أدت أسعار الطاقة المرتفعة إلى تجدد المخاوف التضخمية ودفع الأسواق إلى توقع سياسة نقدية أكثر تشددًا.

في المقابل، فإن استمرار تراجع التضخم وضعف البيانات الاقتصادية الأمريكية قد يمنح الذهب مساحة جديدة لاختبار مستويات أعلى.

الصين تضيف وقودًا جديدًا للطلب على الذهب

ويحصل الذهب أيضًا على دعم من استمرار الطلب الاستثماري والرسمي في الصين.

وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن صناديق الذهب المتداولة في الصين سجلت تدفقات قوية خلال النصف الأول من 2026، بينما واصل البنك المركزي الصيني زيادة احتياطياته من الذهب للشهر العشرين على التوالي حتى يونيو، عندما أضاف 15 طنًا إلى احتياطياته، لترتفع إلى نحو 2346 طنًا.

كما أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن حيازات صناديق الذهب الصينية بلغت 277 طنًا بنهاية يونيو، مع بقاء الطلب الاستثماري عنصرًا مهمًا رغم ضعف الطلب على المشغولات.

الذهب في مصر.. مكاسب العام أقل من القفزة العالمية

ومنذ بداية 2026، ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 430 جنيهًا، من 5830 جنيهًا إلى 6260 جنيهًا حاليًا، بنسبة نمو تقارب 7.4% وفق بيانات «مرصد الذهب».

في المقابل، ارتفعت الأوقية عالميًا من نحو 4318 دولارًا إلى 4376 دولارًا، بزيادة تقارب 1.3% وفق البيانات الواردة في التقرير.

وتؤكد هذه المقارنة أن مسار الذهب في السوق المصرية لا تحدده الأوقية العالمية وحدها، بل تتداخل معه حركة سعر الصرف ومستويات الطلب والعرض والسيولة والعلاوة السعرية المحلية.

«المصرف أولًا» — الذهب أمام معادلة أكثر تعقيدًا

اللافت في حركة الذهب حاليًا أن السوق المصرية لا تتحرك بالضرورة بنفس سرعة البورصة العالمية.

فصعود الأوقية يمنح الذهب المحلي دفعة، لكن اتجاه الدولار أمام الجنيه وزيادة المعروض الناتج عن إعادة البيع يمكن أن يخففا من سرعة انتقال هذه المكاسب إلى المستهلك المصري.

وفي المقابل، فإن استمرار ضعف الدولار وتراجع توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، بالتزامن مع استمرار مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستثماري الآسيوي، يمنح الذهب عوامل دعم قوية على المدى المتوسط.

لكن المعادلة تظل مفتوحة؛ إذ يمكن لعودة التضخم أو ارتفاع الطاقة والعوائد الأمريكية أن تعيد الضغط على المعدن، بينما قد يؤدي استمرار تباطؤ الاقتصاد الأمريكي إلى تعزيز الرهانات على سياسة نقدية أقل تشددًا، وهو السيناريو الأكثر دعمًا للذهب.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى