الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب: «البطالة المقنّعة: النزيف الصامت في جسد الاقتصاد المصري»

بينما تمضي الدولة المصرية بخطى ثابتة نحو “الجمهورية الجديدة“، تبرز قضية “البطالة المقنّعة” كواحدة من أعقد الملفات التي تستوجب المصارحة والحل الجذري. ففي الوقت الذي نجحت فيه الدولة في خفض معدلات البطالة الصريحة لتصل إلى 6.1% في الربع الثاني من عام 2025، وأغلقت عام 2025 عند متوسط 6.2%، تظل البطالة المقنّعة — وهي تكدس العمالة في جهات تفوق حاجتها الفعلية — تحديًا يستنزف الموارد ويُعطّل قطار التنمية.

ثلاث سنوات من التحول الرقمي وإعادة الهيكلة

تشير التقارير الاقتصادية للأعوام الثلاثة الأخيرة (2023–2025) إلى مفارقة رقمية؛ فبينما يرتفع حجم القوى العاملة ليتخطى 34.7 مليون فرد بحلول الربع الثالث من عام 2025، لا تزال هناك فجوة في “الإنتاجية الحقيقية” داخل الجهاز الإداري للدولة وبعض قطاعات الخدمات.

الأضرار الاقتصادية: عبء على الموازنة وتعطيل للنمو

البطالة المقنّعة ليست مجرد “موظف بلا عمل”، بل هي “تكلفة بلا عائد”. وتتمثل أضرارها على الاقتصاد الوطني في المحاور التالية:

تضخم فاتورة الأجور:
ارتفعت مخصصات الأجور في الموازنة العامة لتصل إلى نحو 679.1 مليار جنيه في مشروع موازنة 2025/2026. وبينما يهدف هذا الارتفاع إلى تحسين مستوى معيشة الموظف (برفع الحد الأدنى للأجور إلى 7000 جنيه)، فإن وجود عمالة زائدة غير منتجة يقلص من قدرة الدولة على توجيه هذه الاستثمارات نحو مشروعات إنتاجية جديدة.

انخفاض الإنتاجية الكلية:
عندما يعمل خمسة أفراد في مهمة يكفيها فرد واحد، يتراجع متوسط إنتاجية الفرد، مما يؤثر على ترتيب مصر في مؤشرات التنافسية العالمية.

البيروقراطية الإدارية:
التكدس الوظيفي غالبًا ما يؤدي إلى تعقيد الدورة المستندية، حيث يسعى كل موظف إلى إثبات وجوده عبر إجراءات قد تكون زائدة عن الحاجة، مما يعيق مناخ الاستثمار.

رؤية وطنية للحل

إن مواجهة البطالة المقنّعة لا تعني الاستغناء عن العاملين، بل تعني “إعادة التوظيف الذكي”. وتتبنى الدولة حاليًا استراتيجية ترتكز على:

التحول الرقمي:
الذي يكشف تلقائيًا عن مراكز التكدس والاحتياج الحقيقي.

التدريب التحويلي:
نقل العمالة الزائدة من الإدارات المكتبية المشبعة إلى القطاعات الميدانية والخدمية التي تعاني عجزًا (مثل التعليم والصحة والحقول النفطية)، مع تنفيذ برامج تدريبية مناسبة.

تشجيع القطاع الخاص:
لاستيعاب الزيادات السنوية في قوة العمل، حيث تستهدف خطة التنمية 2025 زيادة الاستثمارات الخاصة لتشكل 50% من إجمالي الاستثمارات الكلية.

ختامًا، إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في توفير “وظيفة”، بل في خلق “قيمة مضافة”. فكل ساعة عمل ضائعة في أروقة البيروقراطية هي خسارة في الناتج المحلي الإجمالي، والعدالة المؤسسية تقتضي أن يُكافأ المجتهد والمنتج، ليبقى اقتصاد مصر قويًا، مرنًا، وقادرًا على المنافسة.

البعد الأخلاقي والقدوة العالمية: طريق الإصلاح

لا يتوقف علاج “البطالة المقنّعة” عند الأرقام والموازنات فحسب، بل يمتد ليشمل الأمانة المهنية والوعي الجمعي بقدسية العمل.

1. العمل أمانة:
إن جوهر الأديان السماوية يحث على إتقان العمل وربط الأجر بالجهد الحقيقي. ففي الإسلام، يُعد “تعطيل الإنتاج” مع أخذ الأجر نوعًا من عدم إبراء الذمة؛ حيث قال الرسول ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. والإتقان لا يتحقق بوجود موظف “زائد” يعيق حركة زملائه، بل بالقيام بمهام ملموسة تخدم المجتمع. إن الحفاظ على “وقت العمل” أمانة يُسأل عنها المرء أمام الله وأمام الوطن، والعدل يقتضي ألا يتساوى “الساعي المجتهد” مع “المتكاسل أو المتواجد صوريًا”.

2. التجربة السنغافورية.. من البيروقراطية إلى العبقرية الإدارية:
تُعد سنغافورة المثال الأبرز عالميًا في القضاء على البطالة المقنّعة. ففي الستينيات، كان جهازها الإداري مترهلًا ويعاني من تكدس الموظفين دون إنتاجية.

ماذا فعلت؟ لم تقم بتسريح الموظفين بشكل عشوائي، بل طبّقت نظام “التوصيف الوظيفي الصارم” وربطت الزيادات المالية بـ “معدل الإنتاجية السنوي”.

النتيجة: تحوّل الموظف الحكومي السنغافوري إلى عنصر “نادر” عالي الكفاءة، وأصبح الجهاز الإداري هناك المحرك الرئيسي لجذب الاستثمارات المليارية، بعد أن كان عبئًا عليها.

وجهة نظر الكاتب:

إن بناء الأوطان لا يقوم على “عدد الموظفين”، بل على “قيمة ما يقدمونه”. فالعدالة الحقيقية هي أن يأخذ كل ذي حق حقه بناءً على ما قدمت يداه من جهد وعرق، وفاءً للوطن وإخلاصًا للخالق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى