من «قرض سهل» إلى «حبس».. كيف يقع المواطن في فخ شركات التمويل الوهمية؟
بوابة المصرف تفجّرها

أعادت واقعة اكتشاف حصول مدرسة على قروض بأسماء عدد من أولياء الأمور، باستخدام بياناتهم الشخصية دون علمهم، تسليط الضوء على خطر استغلال البيانات الشخصية في الحصول على تمويلات، وعلى ضرورة التفرقة بين شركات التمويل المرخصة والجهات غير القانونية.
وتكشف الواقعة أن بيانات بسيطة يقدمها المواطن لجهة يثق بها، مثل صورة بطاقة الرقم القومي أو رقم الهاتف، قد تتحول إلى أداة لاستغلاله ماليًا إذا وقعت في أيدي غير أمينة.
وبحسب ما نُشر بشأن الواقعة، تقدم عدد من أولياء الأمور ببلاغات بعد اكتشاف وجود التزامات تمويلية مسجلة بأسمائهم، رغم تأكيدهم عدم التوقيع أو التقدم للحصول على تلك القروض.
ولا يعني ذلك أن شركات التمويل المرخصة تمارس هذه الممارسات؛ فشركات التمويل الاستهلاكي تخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، التي تضع قواعد لحماية المتعاملين وتنظيم منح التمويل.
«قرضك في دقائق».. الباب الأول إلى الفخ
تبدأ المشكلة غالبًا بعروض تبدو جذابة: تمويل سريع، أوراق قليلة، موافقة فورية، أو أقساط ميسرة دون إجراءات مصرفية معقدة. وقد يستغل البعض حاجة المواطن للسيولة أو رغبته في شراء سلعة بالتقسيط لإقناعه بالتوقيع أو تسليم بياناته.
وتزداد الخطورة عندما يكون مقدم الخدمة غير مرخص أو غير معروف، لأن المواطن قد لا يعرف الجهة التي ستحتفظ ببياناته أو كيفية استخدامها، ولا يجد جهة رقابية واضحة يلجأ إليها عند حدوث مشكلة.
وتحذر الهيئة العامة للرقابة المالية المواطنين من التعامل مع الجهات غير المرخصة، وتتيح الإبلاغ عنها، كما توفر قوائم بالجهات المرخصة لمزاولة الأنشطة المالية غير المصرفية.
ومن أخطر أساليب الاحتيال أن يظهر الوسيط في صورة موظف تابع لجهة رسمية أو شركة معروفة، بينما تكون مهمته الحقيقية جمع البيانات واستكمال مستندات يمكن استخدامها في إنشاء التزامات مالية باسم الضحية.
بطاقة الرقم القومي.. «صورة» قد تتحول إلى التزام مالي
يجب التعامل مع صورة بطاقة الرقم القومي باعتبارها بيانًا شديد الحساسية، وعدم إرسالها إلى أشخاص أو جهات غير موثوقة، خصوصًا إذا كان الغرض غير واضح أو لا توجد حاجة قانونية مباشرة لتقديمها.
ولا تقتصر البيانات الخطرة على البطاقة؛ فرقم الهاتف، البريد الإلكتروني، بيانات العمل، الدخل، التوقيع، وصور المستندات قد تشكل معًا ملفًا يسمح بمحاولات انتحال شخصية أو إجراء معاملات باسم صاحبها.
وتتجه الرقابة المالية إلى تشديد إجراءات التحقق من هوية العملاء في نشاط التمويل الاستهلاكي؛ ومن أحدث الإجراءات إلزام الشركات بإرسال رمز تحقق لمرة واحدة OTP والتحقق من بيانات بطاقة الرقم القومي عبر السجل المدني.
وبالتالي، فإن طلب شخص من المواطن الحصول على رمز OTP أو مشاركته معه بحجة استكمال إجراءات القرض يجب أن يثير الشك فورًا، لأن رمز التحقق قد يكون جزءًا أساسيًا من عملية إثبات الهوية والموافقة الإلكترونية.
كيف يجذب المحتال ضحيته؟.. 7 حيل تتكرر
أولى الحيل هي إغراء المواطن بسرعة الحصول على التمويل، مع تصوير الإجراءات التقليدية باعتبارها تعقيدًا غير ضروري. وثانيها استغلال حاجة الأسرة للمال أو التعليم أو العلاج أو شراء سلعة أساسية.
أما الحيلة الثالثة فتتمثل في استغلال الثقة في الوسيط؛ كموظف أو مندوب أو جهة يتعامل معها المواطن بصورة منتظمة، ما يقلل درجة الحذر عند تسليم المستندات.
وتأتي الحيلة الرابعة عبر إخفاء التكلفة الحقيقية للتمويل خلف عبارة «قسط بسيط»، دون توضيح إجمالي المبلغ المستحق، بينما تعتمد الحيلة الخامسة على توقيع المواطن على مستندات لا يقرأ تفاصيلها.
وتتمثل الحيلة السادسة في طلب صور مستندات إضافية بحجة «استكمال الملف»، ثم الاحتفاظ بها واستخدامها في معاملات أخرى. أما السابعة فهي استعجال العميل ومنعه من الحصول على نسخة من العقد أو مراجعة شروطه.
وتؤكد الهيئة أهمية الشفافية في تسعير المنتجات المالية وشروطها، وعدم الاقتراض بما يفوق قدرة العميل على السداد، وهي قواعد أساسية لحماية المستهلك المالي.
الترخيص ليس رفاهية.. كيف تكشف الشركة القانونية؟
قبل الحصول على أي تمويل، يجب التأكد من اسم الشركة ونشاطها وترخيصها من خلال الموقع الرسمي للهيئة العامة للرقابة المالية، وليس الاعتماد على اسم تجاري أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتتيح الهيئة سجلات للجهات العاملة في أنشطة التمويل، بما يسمح للمواطن بالتحقق من الجهة قبل التعامل معها، كما تنشر تحذيرات بشأن الجهات التي تمارس أنشطة مالية بالمخالفة للقانون.
والقاعدة الذهبية هي: لا تتعامل مع جهة تمويل لمجرد أن لديها مقرًا أو صفحة إلكترونية أو موظفين يرتدون ملابس رسمية؛ فالترخيص الرقابي هو الأساس الذي يجب التحقق منه.
وفي المقابل، تخضع شركات التمويل المرخصة لقواعد وإجراءات رقابية، من بينها قواعد منح التمويل وحماية المتعاملين، بينما يمثل التعامل مع جهة غير مرخصة مخاطرة قانونية ومالية أكبر.
من القرض إلى التعثر.. متى يتحول الأمر إلى أزمة؟
المشكلة لا تنتهي عند الحصول على التمويل؛ فقد يجد المواطن نفسه أمام التزام مالي لم يحصل عليه أصلًا، أو تمويل وافق عليه بالفعل لكنه لم يقرأ شروطه وتكاليفه، ثم يعجز عن السداد فتبدأ تبعات التعثر.
وحذر خبراء اقتصاديون ومصرفيون من التوسع غير المحسوب في الاقتراض الاستهلاكي، مشيرين إلى أن تراكم الأقساط قد يضع ضغوطًا مستمرة على دخل الأسر ويزيد مخاطر التعثر والغارمين.
أما في حالات انتحال الشخصية أو تزوير المستندات أو استخدام بيانات المواطن دون علمه، فالمسألة تختلف جذريًا عن مجرد التعثر في سداد قرض حصل عليه المواطن بإرادته.
ويجب هنا توثيق الواقعة فور اكتشافها، والتواصل مع الجهة التمويلية، وتقديم شكوى للجهات الرقابية أو الأمنية المختصة بحسب طبيعة الواقعة، بدل تجاهل الأمر حتى تتراكم الالتزامات.
والأهم أن المواطن لا ينبغي أن يفترض أن وجود اسمه على عقد تمويل يعني تلقائيًا أنه ارتكب جريمة أو أنه سيُحبس؛ المسؤولية الجنائية تتوقف على ملابسات الواقعة وما تثبته التحقيقات والأحكام القضائية.
كيف تحمي نفسك من «قرض باسمك»؟
قبل تسليم أي مستند، اسأل عن اسم الشركة القانوني، والترخيص، والغرض من استخدام البيانات، واحصل على نسخة من كل مستند توقع عليه، ولا توقع على أوراق فارغة أو غير مكتملة.
ولا تمنح أي شخص رمز التحقق OTP، ولا ترسل صور مستنداتك عبر تطبيقات التواصل لمندوب مجهول، ولا تقبل أن يقوم شخص آخر بإجراءات التمويل نيابة عنك دون تحقق رسمي واضح.
وفي حال اكتشاف تمويل لم تطلبه، يجب التحرك فورًا وإثبات عدم علمك به، والاحتفاظ بالرسائل والمستندات وأي أدلة مرتبطة بالواقعة، والتواصل مع الجهات المختصة.
وتبقى الرسالة الأهم: التمويل المرخص ليس هو المشكلة، وإنما المشكلة في الجهة غير المرخصة أو في إساءة استخدام البيانات أو التوقيع على التزامات دون فهمها. والتحقق قبل التوقيع قد يحمي المواطن من أزمة مالية وقانونية تبدأ بصورة بطاقة وتنتهي بملاحقات وبلاغات.









