الذهب يتراجع تحت ضغط «وارش».. والأسواق ترفع رهانات الفائدة إلى 57%

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الاثنين، مع استمرار المستثمرين في إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة الأمريكية بعد التصريحات المتشددة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بشأن التضخم، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من انعكاس ذلك على الضغوط السعرية.
وعلى الرغم من الهبوط الأخير، لا يزال الذهب مرتفعًا بنحو 10% خلال أغسطس، متجهًا نحو تسجيل أقوى مكاسب شهرية له منذ يناير، في ظل استمرار المخاوف المالية والنقدية التي دعمت الطلب على المعدن النفيس خلال الأسابيع الماضية.
وبحلول الساعة 5:01 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.4% إلى 4438.30 دولارًا للأوقية، بينما انخفضت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.9% إلى 4488.41 دولارًا للأوقية.
في المقابل، ارتفعت الفضة بنسبة 1% إلى 67.04 دولارًا للأوقية، بينما تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.1% إلى 99.6.
تصريحات وارش تعيد شبح رفع الفائدة
جاء الضغط الأكبر على الذهب بعدما سجل المعدن انخفاضًا بنسبة 3.2% يوم الجمعة، في أكبر خسارة يومية له منذ أوائل يونيو، عقب تصريحات وارش التي أكد خلالها أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لا يزال أمامه عمل لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.
وأدت هذه التصريحات إلى إعادة تسعير توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية، إذ ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر إلى نحو 57% وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو.
ويمثل هذا التحول ضغطًا مباشرًا على الذهب، الذي لا يدر عائدًا دوريًا؛ فكلما ارتفعت توقعات أسعار الفائدة، أصبحت الأصول المدرة للعائد، وعلى رأسها السندات الحكومية، أكثر جاذبية نسبيًا للمستثمرين.
كما أن ارتفاع الدولار المصاحب لتوقعات التشدد النقدي يضغط على المعدن، لأن قوة العملة الأمريكية تزيد تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.
بنك «إيه إن زد»: تراجع الذهب قد يظل محدودًا
ويرى محللو بنك «إيه إن زد» أن الهبوط الأخير للذهب يعكس التحول في توقعات السياسة النقدية، بعدما أدت تحذيرات وارش بشأن التضخم إلى زيادة الرهانات على رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام.
وأوضح المحللون أن هذا التحول قلل الطلب الاستثماري على الذهب، لكنهم توقعوا في الوقت نفسه أن يظل التراجع محدودًا، مع استمرار المخاوف المالية التي تدفع بعض المستثمرين إلى استخدام الذهب للتحوط من تآكل قيمة العملات.
وتعني هذه الرؤية أن السوق لا تنظر إلى تراجع الذهب باعتباره تحولًا كاملًا في الاتجاه، وإنما باعتباره تصحيحًا بعد موجة صعود قوية.
ارتفاع النفط يضيف ضغطًا جديدًا على الذهب
وتزامن تراجع الذهب مع ارتفاع أسعار النفط، إذ صعد خام برنت إلى نحو 89.38 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع الخام الأمريكي إلى حوالي 84.50 دولارًا.
وجاءت الارتفاعات في أسعار الطاقة بعد تقارير عن قصف القوات الأمريكية منصات لإطلاق الصواريخ الإيرانية في جزيرة لارك، أعقبته تقارير عن هجوم إيراني استهدف قوات أمريكية في الأردن.
وأثارت التطورات مخاوف من اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يهدد إمدادات الطاقة ويُبقي أسعار النفط مرتفعة.
ويمثل النفط عاملًا مزدوج التأثير على الذهب؛ فارتفاع الطاقة قد يدعم الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات التوتر الجيوسياسي، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد مخاوف التضخم، ويدفع الأسواق إلى توقع سياسة نقدية أكثر تشددًا، وهو ما يضغط على المعدن.
تدخل الخزانة الأمريكية يعيد ملف تآكل قيمة العملات
ولا تتعلق قصة الذهب في أغسطس بأسعار الفائدة وحدها، إذ استفاد المعدن في وقت سابق من الشهر من تحركات وزارة الخزانة الأمريكية التي رفعت مشترياتها من السندات الحكومية طويلة الأجل بصورة مفاجئة.
وساهمت هذه التحركات في خفض العائدات والضغط على الدولار، كما أعادت إلى واجهة الأسواق المخاوف المتعلقة بارتفاع الدين الحكومي الأمريكي وتكلفة تمويله.
وأدى ذلك إلى تنشيط ما يعرف بتجارة التحوط من تآكل قيمة العملات، مع توجه بعض المستثمرين إلى الأصول الملموسة، وعلى رأسها الذهب، للتحوط من مخاطر التضخم وتراجع القوة الشرائية واتساع العجز المالي.
الذهب يحافظ على مكاسب قوية رغم التصحيح
ورغم خسائر الذهب الأخيرة، فإن الصورة الشهرية لا تزال قوية.
فالمعدن ارتفع بصورة حادة من مستوى يقل عن 3942 دولارًا للأوقية في أواخر يونيو، قبل أن يتجاوز مستوى 4000 دولار ويواصل صعوده خلال يوليو وأغسطس.
وساهمت عودة الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين في تعزيز الموجة الصعودية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالمالية العامة الأمريكية وتقلبات الدولار وأسواق السندات.
لكن سرعة التراجع الأخيرة تكشف في المقابل أن مستويات الأسعار المرتفعة تجعل الذهب شديد الحساسية لأي تغيير في توقعات الفائدة والعوائد الأمريكية.
بيانات الوظائف والتضخم تحسم اتجاه الذهب
وتترقب الأسواق خلال الفترة المقبلة بيانات الوظائف والتضخم الأمريكية بحثًا عن إشارات جديدة بشأن قرار الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر.
وإذا أظهرت البيانات استمرار قوة الاقتصاد وارتفاع الضغوط التضخمية، فقد تتعزز رهانات رفع الفائدة، وهو ما قد يبقي الذهب تحت الضغط.
أما ظهور علامات واضحة على تباطؤ سوق العمل أو ضعف النشاط الاقتصادي وتراجع الضغوط التضخمية، فقد يعيد المستثمرين إلى المراهنة على سياسة نقدية أقل تشددًا، بما يوفر دعمًا جديدًا للذهب.









