ترامب يصعّد الضغط على الفيدرالي لخفض الفائدة.. ورهانات رفع الفائدة تتجاوز 60%

تصاعدت الضغوط السياسية التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي قبل اجتماعه المرتقب يومي 15 و16 سبتمبر، في وقت دفعت فيه قوة سوق العمل والتصريحات المتشددة لرئيس الفيدرالي كيفن وارش الأسواق إلى رفع رهاناتها على زيادة أسعار الفائدة.
وتزامنت هذه التطورات مع تمسك إدارة ترامب بمطالبتها بخفض تكاليف الاقتراض، في مقابل إصرار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي على أن استمرار التضخم فوق مستهدف 2% قد يفرض تشديد السياسة النقدية مجددًا.
ترامب يربط الفائدة بالتجارة الأمريكية
وصعّد ترامب ضغوطه على الاحتياطي الفيدرالي خلال الأيام الماضية، مطالبًا بخفض أسعار الفائدة، بل وذهب إلى التلويح بوقف التجارة مع الدول التي تحقق فوائض تجارية مع الولايات المتحدة إذا لم يقدم البنك المركزي على خفض الفائدة.
ويعكس هذا التصعيد انتقال الضغوط من انتقادات تقليدية للسياسة النقدية إلى محاولة ربط قرارات الفيدرالي بأهداف الإدارة في خفض تكلفة الاقتراض وتعزيز النمو.
كما انضم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخزانة سكوت بيسنت والمستشار الاقتصادي بيتر نافارو إلى الدعوات المطالبة بسياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
وكان ترامب قد أكد مجددًا أن الولايات المتحدة تحتاج إلى أسعار فائدة منخفضة، في الوقت الذي يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي ضغوطًا مرتبطة بالدين العام وتكاليف الاقتراض والاستثمار.
بيانات الوظائف تقلب حسابات الفيدرالي
لكن البيانات الاقتصادية الأخيرة جاءت في الاتجاه المعاكس لرغبة الإدارة.
وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إضافة 162 ألف وظيفة غير زراعية خلال أغسطس، مع استقرار معدل البطالة عند 4.1%، فيما ارتفع متوسط الأجر بالساعة بنسبة 0.3% خلال الشهر و3.1% على أساس سنوي.
وتعني هذه الأرقام أن سوق العمل لا يزال أكثر صلابة مما تحتاجه الإدارة لتبرير خفض سريع للفائدة، كما تمنح صانعي السياسة النقدية مساحة أكبر للتركيز على التضخم.
وبعد صدور تقرير الوظائف، ارتفعت توقعات الأسواق لرفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 62%، وفق أحدث تقديرات أوردتها رويترز، بعدما أصبحت احتمالات التشديد النقدي أكثر حضورًا في تسعير العقود الآجلة.
وارش يضع التضخم في مقدمة الأولويات
وتزداد أهمية موقف كيفن وارش في ظل اقتراب اجتماع سبتمبر، خصوصًا بعد تصريحاته التي أكد خلالها أن الفيدرالي سيكون أمام مهمة إضافية إذا لم يحصل على الثقة الكافية بأن التضخم يتجه بوضوح نحو مستهدفه البالغ 2%.
وفي خطاب جاكسون هول، أشار وارش إلى أن التضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وأن السياسة النقدية قد تحتاج إلى التحرك إذا لم تتأكد عودة الضغوط السعرية إلى المسار المطلوب.
وبذلك أصبحت معادلة سبتمبر أكثر تعقيدًا: إدارة ترامب تريد خفض الفائدة، بينما تشير بيانات سوق العمل وتصريحات رئيس الفيدرالي إلى أن رفعها يظل خيارًا قائمًا.
الفيدرالي منقسم بشأن الخطوة المقبلة
ويأتي اجتماع سبتمبر بعد انقسام واضح داخل لجنة السوق المفتوحة في اجتماع يوليو.
فقد أبقى الفيدرالي نطاق الفائدة دون تغيير، لكن بيث هاماك ونيل كاشكاري ولوري لوغان صوتوا لصالح رفع النطاق المستهدف للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.
ويكشف هذا التصويت أن فكرة رفع الفائدة ليست مجرد توقعات في الأسواق، وإنما أصبحت بالفعل محل نقاش داخل لجنة صنع السياسة النقدية.
وفي المقابل، أكد عضو مجلس محافظي الفيدرالي كريستوفر والر أن استمرار تحسن بيانات التضخم قد يدفعه إلى تأييد الإبقاء على الفائدة عند مستوياتها الحالية، لكنه أشار إلى أن استمرار الضغوط السعرية قد يغير هذا الموقف.
التضخم يضع ترامب والفيدرالي في مواجهة مباشرة
المشكلة الأساسية أمام الفيدرالي تتمثل في أن التضخم لم يعد يتحرك بالسرعة الكافية نحو مستهدف البنك البالغ 2%.
وتشير البيانات الأخيرة إلى استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، في الوقت الذي تراقب فيه الأسواق تأثير الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية على الأسعار.
وفي هذه البيئة، يرى الفيدرالي أن خفض الفائدة قبل التأكد من استقرار التضخم قد يعيد إشعال الضغوط السعرية، بينما ترى إدارة ترامب أن الإبقاء على فائدة مرتفعة يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والنمو.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يزيد تعقيد المعادلة
وتدخل استثمارات الذكاء الاصطناعي كذلك في الحسابات الاقتصادية الجديدة للولايات المتحدة.
فالشركات الكبرى تضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق وشبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية، ما يزيد الطلب على التمويل والمعدات والطاقة.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الإدارة الأمريكية على أن هذه الاستثمارات سترفع الإنتاجية والقدرة الإنتاجية للاقتصاد على المدى الطويل، فإن قوة الطلب الحالية على المعدات والبنية التحتية قد تضيف ضغوطًا على الأسعار في المدى القصير.
وهنا تظهر المفارقة: خفض الفائدة قد يدعم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد الطلب ويصعب مهمة السيطرة على التضخم.
الدولار والسندات يترقبان قرار سبتمبر
ولا يقتصر تأثير معركة الفائدة على الاقتصاد الأمريكي، إذ يراقب المستثمرون تحركات الدولار وعوائد سندات الخزانة وأسواق الأسهم والذهب.
فارتفاع توقعات رفع الفائدة يدعم عادة الدولار وعوائد السندات، بينما يضغط على الذهب والأصول الحساسة لتكلفة التمويل.
وفي المقابل، فإن تراجع الثقة في قدرة الإدارة الأمريكية على السيطرة على العجز والدين العام قد يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى على السندات طويلة الأجل، وهو ما يضيف تحديًا جديدًا أمام وزارة الخزانة والفيدرالي.
وقد أظهرت الأسواق بالفعل حساسية متزايدة تجاه هذه المعادلة، مع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل وسط مخاوف مرتبطة بالتضخم والعجز والدين الأمريكي.
بيانات التضخم تحسم المعركة
وتتجه أنظار الأسواق الآن إلى بيانات التضخم الأمريكية المقبلة، والتي ستكون الاختبار الأهم قبل اجتماع الفيدرالي في سبتمبر.
فإذا أظهرت البيانات استمرار تراجع الضغوط السعرية، فقد يحصل مؤيدو الإبقاء على الفائدة دون تغيير على مساحة أكبر لإقناع بقية أعضاء اللجنة بالانتظار.
أما إذا جاءت أرقام التضخم أعلى من المتوقع، فقد تتعزز احتمالات رفع الفائدة، خصوصًا بعد قوة سوق العمل وتصريحات وارش الأخيرة.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المقبل يومي 15 و16 سبتمبر 2026.
معركة استقلال الفيدرالي تدخل مرحلة أكثر حساسية
ولا تتعلق المواجهة الحالية بسعر الفائدة فقط، بل تمتد إلى استقلالية البنك المركزي نفسه.
فوارش يواجه اختبارًا مزدوجًا: الحفاظ على مصداقية الفيدرالي في مواجهة التضخم، وفي الوقت نفسه التعامل مع ضغوط سياسية متزايدة من البيت الأبيض.
وفي حال رفع الفائدة رغم مطالب ترامب بخفضها، فإن القرار سيكون رسالة قوية بأن البنك المركزي يضع استقرار الأسعار في مقدمة أولوياته.
أما إذا أبقى الفيدرالي على الفائدة، فقد تعتبر الأسواق القرار استجابة للبيانات الأخيرة، لكن استمرار الضغوط السياسية قد يثير تساؤلات حول هامش استقلالية البنك المركزي.









