تأكيدًا لتوقعات «بوابة المصرف».. المركزي الأوروبي يرفع الفائدة إلى 2.5%.. والتضخم يتجاوز 3%

حرب إيران تشعل الطاقة

أكد البنك المركزي الأوروبي اليوم الخميس توقعات «بوابة المصرف» التي نشرتها في 26 أغسطس الماضي، بشأن اتجاهه لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، بعدما قرر زيادة معدل الفائدة على الإيداع بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.5%.

ويعد القرار ثاني رفع لأسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأوروبي خلال العام الجاري، في خطوة تستهدف مواجهة موجة التضخم الجديدة التي تشهدها منطقة اليورو، مدفوعة بصورة رئيسية بارتفاع أسعار الطاقة.

وكانت «بوابة المصرف» قد نشرت في 26 أغسطس تقريرًا تحت عنوان: «المركزي الأوروبي يستعد لرفع الفائدة إلى 2.50% في سبتمبر.. حرب إيران تشعل أسعار الطاقة»، رجحت خلاله رفع الفائدة من 2.25% إلى 2.50%.

وجاء القرار اليوم مطابقًا للتوقع الذي نشرته «بوابة المصرف» قبل نحو أسبوعين، في تأكيد على دقة قراءة اتجاهات السياسة النقدية الأوروبية، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية الناتجة عن أزمة الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

التضخم يتجاوز مستهدف المركزي الأوروبي

ويأتي رفع الفائدة في الوقت الذي تجاوز فيه التضخم في منطقة اليورو مستوى 3% خلال أغسطس، متخطيًا المستهدف الرسمي للبنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.

وأصبح ارتفاع أسعار الطاقة والنفط والغاز أحد أبرز مصادر القلق أمام صانعي السياسة النقدية، بعدما أدت التطورات الجيوسياسية والحرب في إيران إلى زيادة تكاليف الطاقة، وهو ما يهدد بامتداد آثارها إلى أسعار السلع والخدمات.

ويرى المركزي الأوروبي أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة أطول قد يجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة، خصوصًا إذا انتقلت صدمة الأسعار إلى الأجور وتكاليف الخدمات والقطاعات المختلفة.

وأظهرت أحدث بيانات البنك أن التضخم الأساسي شهد تحسنًا نسبيًا، كما تباطأ نمو الأجور، وهو ما يحد من مخاطر تشكل دوامة مستمرة بين الأسعار والأجور.

أسعار الفائدة الجديدة

وبموجب قرار البنك المركزي الأوروبي، ارتفع معدل الفائدة على تسهيلات الإيداع إلى 2.50%، بينما ارتفع معدل عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 2.65%.

كما رفع البنك معدل الإقراض الهامشي إلى 2.90%.

ويعكس القرار انتقال السياسة النقدية الأوروبية إلى موقف أكثر تشددًا في مواجهة موجة التضخم المرتبطة بالطاقة، مع استمرار البنك في تقييم البيانات الاقتصادية اجتماعًا بعد آخر.

سعر الفائدة قبل القرار بعد القرار التغيير
تسهيلات الإيداع 2.25% 2.50% +25 نقطة أساس
عمليات إعادة التمويل الرئيسية 2.40% 2.65% +25 نقطة أساس
الإقراض الهامشي 2.65% 2.90% +25 نقطة أساس

«بوابة المصرف» ترصد السيناريو قبل القرار

كانت «بوابة المصرف» قد استندت في تقريرها المنشور في 26 أغسطس إلى تصاعد المخاوف بشأن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والوقود على التضخم في منطقة اليورو.

وأشارت التوقعات المنشورة حينها إلى إمكانية رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.50% من 2.25%، بعد زيادة سابقة بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو، أعقبها تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع يوليو.

كما تناول التقرير مخاطر انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى، بما قد يؤدي إلى استمرار التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2%.

وتزامن ذلك مع بيانات أظهرت مرونة الاقتصاد الأوروبي، حيث سجل مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو في أغسطس 52.1 نقطة مقابل 52 نقطة في يوليو، وفق البيانات التي استند إليها التقرير السابق.

هذه المعطيات منحت المركزي الأوروبي مساحة أكبر للتحرك ضد التضخم دون أن يكون أمامه في المقابل خطر واضح من انكماش اقتصادي حاد.

الطاقة.. كلمة السر في القرار

تمثل أسعار الطاقة العامل الأكثر تأثيرًا في قرار المركزي الأوروبي الحالي، خصوصًا مع استمرار التوترات الجيوسياسية التي دفعت أسعار النفط والغاز إلى مستويات مرتفعة.

وأشارت «رويترز» إلى أن التضخم في منطقة اليورو تجاوز 3% خلال الشهر الماضي نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، بينما لا تزال مخاطر استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قائمة.

وتزداد حساسية اقتصادات منطقة اليورو تجاه أسعار الطاقة مع اقتراب موسم الشتاء، في ظل المخاوف المرتبطة بمستويات تخزين الغاز وارتفاع تكاليف الإمدادات.

لكن البنك يواجه معادلة أكثر تعقيدًا؛ إذ إن تشديد السياسة النقدية لمواجهة تضخم ناتج عن الطاقة قد يضغط في الوقت نفسه على الاستثمار والاستهلاك والنمو.

الاقتصاد الأوروبي يبدي قدرة على الصمود

ورغم صدمة الطاقة، أظهر اقتصاد منطقة اليورو قدرة على الصمود، وهو ما ساعد المركزي الأوروبي على اتخاذ قرار رفع الفائدة دون مواجهة مخاوف حادة من انهيار النشاط الاقتصادي.

وأكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد أن اقتصاد منطقة اليورو أظهر مرونة خلال الربع الثاني، مع نمو واسع النطاق بين الدول والقطاعات، مشيرة إلى أن هذا الاتجاه يرجح استمراره خلال الربع الثالث.

وفي الوقت نفسه، رفع البنك توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو خلال 2026 إلى 0.9% بدلًا من 0.8% في تقديراته السابقة.

كما يتوقع البنك نمو الاقتصاد بنسبة 1.4% في 2027، مقابل توقع سابق عند 1.2%، وهو ما يعكس تقييمًا أكثر إيجابية نسبيًا لقدرة الاقتصاد على تحمل صدمة الطاقة.

هل يستمر رفع الفائدة؟

لا يعني رفع الفائدة إلى 2.5% أن المركزي الأوروبي حسم بالضرورة مسارًا جديدًا من الزيادات المتتالية، إذ لا يزال البنك يؤكد أن قراراته ستظل مرتبطة بالبيانات والتطورات الاقتصادية.

لكن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير احتمالات استمرار التشديد النقدي، خاصة مع استمرار أزمة الطاقة وارتفاع مخاطر التضخم.

وكان دويتشه بنك قد عدل توقعاته قبل اجتماع سبتمبر، مرجحًا زيادة إضافية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، ليرتفع معدل الفائدة إلى 2.75%، في ظل استمرار مخاطر الطاقة.

ويظل السيناريو مرهونًا بمسار التضخم وأسعار النفط والغاز وتطورات الحرب في إيران، إلى جانب قدرة اقتصاد منطقة اليورو على الحفاظ على معدلات النمو الحالية.

التضخم والنمو.. معادلة صعبة أمام «المركزي الأوروبي»

يواجه المركزي الأوروبي حاليًا معادلة دقيقة؛ فمن ناحية، يحتاج إلى منع صدمة الطاقة من التحول إلى تضخم مستدام، ومن ناحية أخرى، عليه تجنب تشديد مفرط قد يضغط على النمو.

وترى «رويترز» أن المخاطر لا تزال تميل إلى ارتفاع التضخم مقابل مخاطر هبوط النمو، وهو ما وصفته لاجارد بأنه وضع شديد عدم اليقين.

كما رفع البنك توقعاته لمتوسط التضخم خلال 2026 إلى 3%، بينما يتوقع تراجع التضخم إلى 2.5% في 2027، وهو مستوى لا يزال أعلى من المستهدف البالغ 2%.

وبذلك، يبدو أن البنك المركزي الأوروبي يدخل مرحلة جديدة من السياسة النقدية عنوانها «الفائدة المرتفعة لفترة أطول»، ما لم تشهد أسواق الطاقة انفراجة قوية أو يتراجع التضخم بوتيرة أسرع من المتوقع.

«بوابة المصرف».. التوقع يتحول إلى قرار

ويؤكد قرار اليوم أهمية المتابعة الاستباقية لاتجاهات السياسة النقدية العالمية، بعدما تطابق قرار المركزي الأوروبي مع السيناريو الذي نشرته «بوابة المصرف» في 26 أغسطس.

فقد حدد التقرير السابق مستوى 2.50% باعتباره المستوى المرجح للفائدة في اجتماع سبتمبر، وربط ذلك مباشرة بمخاطر التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والحرب في إيران.

وبعد نحو أسبوعين، تحول هذا السيناريو إلى قرار رسمي، مع رفع الفائدة بالفعل إلى 2.50%.

ويضع القرار الأسواق أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم تكلفة التمويل في منطقة اليورو، خاصة مع استمرار عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة والتضخم ومسار السياسة النقدية العالمية.

لم يكن قرار المركزي الأوروبي برفع الفائدة مفاجئًا للأسواق بقدر ما كان تأكيدًا لسيناريو اقتصادي فرضته صدمة الطاقة.

والأهم بالنسبة لـ«بوابة المصرف» أن القرار جاء متطابقًا مع توقع نشرته قبل نحو أسبوعين، بعدما ربطت بين ارتفاع أسعار الطاقة والحرب في إيران وبين احتمالات تشديد السياسة النقدية الأوروبية.

ومع وصول الفائدة على الإيداع إلى 2.5%، تصبح الخطوة التالية للمركزي الأوروبي مرتبطة بدرجة أكبر بمسار التضخم وأسعار الطاقة، وما إذا كانت صدمة الأسعار ستظل مؤقتة أم تتحول إلى ضغوط أوسع وأكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى