التضخم يصدم الأسواق.. احتمالات رفع الفائدة الأمريكية تقفز إلى 85%

قفزت احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل إلى نحو 85%، بعد صدور بيانات أظهرت ارتفاع التضخم الأساسي بأكثر من توقعات الأسواق، لتتغير حسابات المستثمرين قبل أيام قليلة من اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية.

وجاءت القفزة في رهانات رفع الفائدة، التي كانت تدور حول 70% قبل صدور البيانات، بعد ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي بنسبة 0.3% خلال أغسطس، مقابل توقعات بزيادة قدرها 0.2%.

وقالت هيلين لاو، الخبيرة الاقتصادية في «سي آي بي سي إيكونوميكس»، إن تسارع التضخم الأساسي مقارنة بشهر يوليو يرجح كفة معظم أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لصالح رفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل.

التضخم الأساسي يتجاوز التوقعات

وأفاد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بأن مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، ارتفع بنسبة 0.3% خلال أغسطس.

وجاءت القراءة أعلى من توقعات الأسواق البالغة 0.2%، بينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين العام بنسبة 0.4% خلال الشهر، بما يتوافق مع التوقعات.

وجاء ارتفاع التضخم العام بالتزامن مع انتعاش أسعار البنزين بعد تراجعها على مدار شهرين متتاليين.

وعلى أساس سنوي، استقر التضخم العام عند 3.4%، بينما تراجع التضخم الأساسي بصورة طفيفة إلى 2.4%، مقابل 2.5% في يوليو.

ورغم انخفاض التضخم الأساسي السنوي، فإن الارتفاع الشهري الذي جاء أعلى من المتوقع عزز مخاوف الأسواق بشأن استمرار الضغوط السعرية.

اجتماع سبتمبر يحسم اتجاه الفائدة

وتأتي البيانات قبل خمسة أيام من اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المقرر عقده يومي 15 و16 سبتمبر.

وكانت الأسواق تتوقع على نطاق واسع أن يسفر الاجتماع عن أول زيادة في أسعار الفائدة منذ يوليو 2023، قبل أن تعزز بيانات التضخم الأخيرة هذه الرهانات بصورة أكبر.

وتضع هذه التطورات الاحتياطي الفيدرالي أمام اختبار صعب، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وظهور إشارات على بقاء التضخم أعلى من المستهدف البالغ 2%.

عوائد السندات تقفز

وانعكست توقعات رفع الفائدة سريعًا على سوق سندات الخزانة الأمريكية، مع ارتفاع العوائد على الإصدارات طويلة الأجل.

وبلغ عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، التي طرحت في مزاد 9 سبتمبر، نحو 4.834%، مقابل 4.683% في المزاد السابق.

كما ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا، التي طرحت في مزاد 10 سبتمبر، إلى 5.308%، مقابل 5.216% في المزاد السابق.

وتعكس هذه التحركات زيادة إقبال المستثمرين على بيع سندات الدين الحكومية طويلة الأجل، في ظل إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية.

القطاعات الحساسة للفائدة تحت الضغط

ويمتد تأثير ارتفاع العوائد إلى القطاعات الأكثر حساسية لتكاليف التمويل، وفي مقدمتها شركات المرافق العامة وصناديق الاستثمار العقاري.

وفي حال نفذ الاحتياطي الفيدرالي زيادة قدرها ربع نقطة مئوية، كما تتوقع الأسواق حاليًا، فقد تواجه هذه القطاعات ضغوطًا مباشرة على هوامش الربحية نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض.

كما يمكن لارتفاع العوائد أن يزيد تكلفة التمويل أمام الشركات، ويحد من جاذبية بعض الأصول التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل بالدين.

مؤشر أسعار المنتجين يزيد المخاوف

ولم تأت بيانات التضخم الاستهلاكي بمعزل عن بقية المؤشرات.

فقد أظهرت بيانات مؤشر أسعار المنتجين الصادرة الخميس ارتفاع أسعار الجملة في الولايات المتحدة بنسبة 0.4% خلال أغسطس، وبنسبة 5.4% على أساس سنوي.

وتعزز هذه القراءة المخاوف من استمرار انتقال ضغوط التكلفة إلى الاقتصاد، خصوصًا مع بقاء أسعار الطاقة مرتفعة.

النفط يضيف وقودًا إلى التضخم

وتزداد صعوبة مهمة الاحتياطي الفيدرالي مع استمرار ارتفاع أسعار النفط.

فقد تجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، وسط توترات مرتبطة بتجدد الأعمال العدائية المتعلقة بإيران.

ويعني ارتفاع أسعار النفط ضغوطًا إضافية على أسعار البنزين، وهو ما يمكن أن يعقد جهود البنك المركزي لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.

ومن ثم، فإن استمرار ارتفاع الطاقة قد يجعل صناع السياسة أكثر حذرًا في التعامل مع أي إشارات على تباطؤ التضخم.

أوروبا ترفع الفائدة أيضًا

ولا تقتصر ضغوط أسعار الفائدة على الولايات المتحدة.

فقد رفع البنك المركزي الأوروبي في 10 سبتمبر سعر فائدة تسهيلات الإيداع إلى 2.50%، مقابل 2.25%، كما رفع سعر إعادة التمويل الرئيسي إلى 2.65%، مقابل 2.40%.

وجاءت الخطوة مع اشتداد ضغوط التضخم المرتبطة بالطاقة في الاقتصادات الكبرى.

وتضيف هذه التطورات بعدًا جديدًا إلى معادلة السياسة النقدية العالمية، في وقت تعيد فيه البنوك المركزية تقييم مخاطر التضخم والطاقة.

خطاب وارش غيّر حسابات الأسواق

وكان خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول أواخر أغسطس قد أحدث تحولًا واضحًا في توقعات الأسواق.

وأدى الخطاب المتشدد إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل عامين، بعدما كانت الأسواق تراهن في وقت سابق على استمرار توقف الفيدرالي عن تشديد السياسة النقدية لفترة أطول.

وتأتي بيانات التضخم الجديدة لتمنح هذا الاتجاه دعمًا إضافيًا، بعدما أصبح المستثمرون أكثر حساسية تجاه أي إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية.

الفيدرالي أمام معادلة التضخم والنمو

ورغم ارتفاع رهانات رفع الفائدة، فإن الصورة الاقتصادية لا تخلو من عناصر قد تدفع الفيدرالي إلى التريث.

ويترقب المستثمرون مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل تكاليف الاقتراض المرتفعة، وتأثير ذلك على النشاط الاقتصادي وسوق العمل والإنفاق الاستهلاكي.

لكن استمرار التضخم، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة وعوائد السندات، قد يمنح الأولوية لمواجهة الأسعار على حساب المخاوف المتعلقة بالنمو.

ماذا يعني رفع الفائدة للأسواق؟

إذا نفذ الاحتياطي الفيدرالي زيادة ربع نقطة مئوية، فإن التأثير لن يتوقف عند سوق السندات.

فارتفاع الفائدة عادة ما يزيد جاذبية الدولار، ويرفع تكلفة التمويل، ويضغط على الأصول التي تتأثر بارتفاع العوائد.

كما يمكن أن يتعرض الذهب لضغوط إضافية، خصوصًا إذا ارتفعت عوائد السندات والدولار معًا.

وفي المقابل، فإن أي مؤشرات لاحقة على تباطؤ التضخم أو ضعف سوق العمل قد تعيد الأسواق إلى تسعير مسار أقل تشددًا.

الأسواق تترقب قرار الأربعاء

وتتجه الأنظار الآن إلى الأربعاء، عندما تعلن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية قرارها بشأن أسعار الفائدة، بالتزامن مع نشر التوقعات الاقتصادية المحدثة.

وتحولت بيانات التضخم الأخيرة إلى عامل رئيسي في تحديد اتجاه القرار، بعدما قفزت احتمالات رفع الفائدة إلى 85%.

وتشير التطورات الحالية إلى أن معركة الفيدرالي لم تعد تدور فقط حول مستوى التضخم السنوي، وإنما حول قدرته على ضمان استمرار اتجاه التضخم نحو مستهدف 2%، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والعوائد.

وبذلك يدخل اجتماع سبتمبر مرحلة مختلفة؛ فالسوق لم يعد يتعامل مع رفع الفائدة باعتباره سيناريو بعيدًا، بل أصبح الاحتمال المهيمن على التسعير، وهو ما يضع الدولار والسندات والذهب والقطاعات الحساسة للفائدة أمام أسبوع حاسم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى