العقار المصري من المضاربة إلى التحصيل… هل يستطيع المشترون سداد الأقساط؟

بينما يواصل كبار المطورين العقاريين في مصر تسجيل مبيعات قوية، بدأت مؤشرات جديدة تظهر خلف الأرقام القياسية، مع مواجهة شريحة من المشترين صعوبات في استكمال سداد الأقساط، وانحسار نشاط المضاربين، بالتزامن مع تشديد الرقابة على تمويلات القطاع.
وتزامنت هذه التطورات مع تحركات رسمية لحصر المشروعات المتأخرة والمتعثرة، ومراجعة تمويلاتها، في وقت بلغت فيه مبيعات أكبر 10 شركات عقارية في مصر نحو 800 مليار جنيه منذ بداية 2026، وفق تصريحات هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي لمجموعة طلعت مصطفى القابضة.
800 مليار جنيه مبيعات.. لكن ماذا عن التحصيل؟
قال هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي لمجموعة طلعت مصطفى القابضة، في تصريحات تلفزيونية، إن مبيعات أكبر 10 شركات عقارية في مصر بلغت نحو 800 مليار جنيه منذ بداية 2026، فيما سجلت مجموعته وحدها مبيعات بقيمة 270 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
لكن قيمة المبيعات التعاقدية لا تعني بالضرورة تدفقات نقدية فورية بالقيمة نفسها، خصوصًا مع اعتماد السوق بدرجة كبيرة على أنظمة السداد الممتدة، التي تصل في بعض المشروعات إلى 8 و12 و15 عامًا.
500 ألف وحدة تحت الإنشاء
تزداد أهمية هذا الملف مع وجود نحو 500 ألف وحدة لدى أكبر 10 شركات عقارية لا تزال قيد الإنشاء، بحسب تصريحات هشام طلعت مصطفى.
ويمثل هذا الرقم حجمًا كبيرًا من المعروض الذي سيدخل السوق خلال السنوات المقبلة، ما يضع قدرة السوق على استيعاب الوحدات عند مستويات الأسعار الحالية تحت الاختبار.
الرئيس يتدخل لحصر المشروعات المتأخرة والمتعثرة
كان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد وجّه في 10 أغسطس بتشكيل لجنة لحصر المشروعات العقارية الجاري تنفيذها على مستوى الجمهورية، تتولى مراجعة أوضاع المشروعات المتأخرة أو المتعثرة ومدى التزام الشركات بمواعيد التسليم.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التفرقة بين المشروع المتأخر والمشروع المتعثر، إذ لا يعني التأخير بالضرورة عدم قدرة المطور على استكمال المشروع.
المركزي يضع التمويل العقاري تحت المجهر
بالتوازي مع التحرك الحكومي، طلب البنك المركزي المصري من البنوك حصر القروض الممنوحة للمشروعات العقارية، بما يتيح تكوين صورة أكثر دقة عن حجم انكشاف القطاع المصرفي على النشاط العقاري ومستوى المخاطر المرتبطة به.
ولا يعني طلب الحصر بالضرورة وجود أزمة في التمويل العقاري، لكنه يعكس أهمية تقييم قدرة الشركات على تنفيذ مشروعاتها وتحصيل مستحقاتها والوفاء بالتزاماتها.
المتأخر ليس بالضرورة متعثرًا
يؤكد أحمد شلبي، رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب، ضرورة التفرقة بين المطور المتعثر والمطور المتأخر عند تقييم المشروعات العقارية.
وأوضح أن تأخر المشروع لمدة عام أو عامين لا يعني بالضرورة تعثره، مشددًا على ضرورة تقييم كل مشروع وفق نسب التنفيذ والملاءة المالية للمطور وخطة استكمال الأعمال.
كيانات حديثة غير متخصصة أضرت بالسوق
يرى طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، أن إسناد مشروعات بمليارات الجنيهات إلى كيانات حديثة العهد أو غير متخصصة أضر بالسوق خلال السنوات الماضية.
وشدد على أهمية إجراء فحص فني ومالي للمطورين، ومراجعة أعمالهم السابقة قبل إسناد الأراضي إليهم أو السماح لهم بالبيع على الخريطة، للحد من ظهور حالات تعثر جديدة.
المضاربون يبدأون في الخروج
يشير هشام طلعت مصطفى إلى أن جزءًا من الضغوط التي ظهرت مؤخرًا يرتبط بعملاء دخلوا السوق في نهاية 2023 وبداية 2024 بهدف المضاربة وتحقيق مكاسب سريعة، قبل أن يتجه بعضهم إلى التخارج بعدما أصبحوا غير قادرين على تحمل الأقساط.
وفي المقابل، يرى أن معدلات الشراء لدى أغلب الشركات العقارية لا تزال تسير بصورة طبيعية، وأن الطلب لا يزال مرتفعًا، مع تقديره أن نحو 1%-2% فقط من الشركات العقارية تواجه تعثرًا في التنفيذ.
أسعار العقارات ارتفعت.. والقدرة على السداد أصبحت القضية
شهدت أسعار العقارات في مصر زيادات كبيرة خلال السنوات الماضية، نتيجة ارتفاع تكلفة الأراضي ومواد البناء والعمالة والتمويل، كما ساهم التضخم وتراجع قيمة الجنيه في زيادة تكلفة الأصول العقارية.
لكن ارتفاع الأسعار خلق تحديًا جديدًا يتعلق بقدرة المشترين على تحمل قيمة الوحدة والأقساط لفترات طويلة، ولهذا اتجه المطورون إلى تمديد آجال السداد للحفاظ على جاذبية المبيعات، وهو ما نقل جزءًا متزايدًا من مخاطر التمويل إلى دورة التحصيل المستقبلية.
1.5 تريليون جنيه مبيعات في 2024
لم تبدأ القفزة في المبيعات التعاقدية خلال 2026، إذ بلغت مبيعات العقارات نحو 1.5 تريليون جنيه في 2024، مقابل نحو 750 مليار جنيه في العام السابق، بحسب بيانات السوق.
لكن ارتفاع القيمة الاسمية للمبيعات يجب قراءته في ضوء التضخم وارتفاع أسعار الوحدات، وليس باعتباره مؤشرًا منفردًا على زيادة الطلب الحقيقي.
صناديق الاستثمار العقاري تدخل المشهد
تتجه السوق نحو تنويع أدوات الاستثمار والتمويل العقاري من خلال صناديق الاستثمار العقارية، حيث تدرس هيئة الرقابة المالية 25 طلبًا جديدًا لتأسيس صناديق استثمار عقارية، مقارنة بعدد محدود من الصناديق القائمة حاليًا.
وبلغ صافي أصول صناديق الاستثمار العقارية القائمة نحو 12.6 مليار جنيه بنهاية النصف الأول من 2026، وهو حجم لا يزال محدودًا مقارنة بالحجم الإجمالي للسوق العقارية المصرية.
1900 شركة عقارية.. والسوق تحتاج إلى فرز
ارتفع عدد شركات التطوير العقاري المسجلة في مصر إلى أكثر من 1900 شركة، مقابل نحو 75 شركة في 2016، وهو ما يعكس توسعًا هائلًا في عدد اللاعبين داخل السوق.
لكن زيادة عدد الشركات لا تعني بالضرورة زيادة متناسبة في القدرات المالية والفنية، وهو ما يفسر أهمية المطالبات بإجراء فحص أكثر صرامة للمطورين قبل إسناد المشروعات أو السماح بالبيع على الخريطة.
فقاعة عقارية أم إعادة توازن؟
رغم كثرة المؤشرات المثيرة للقلق، لا تكفي البيانات الحالية للجزم بأن السوق العقارية المصرية دخلت بالفعل في فقاعة، إذ لا تزال هناك عوامل أساسية تدعم الطلب، أبرزها النمو السكاني والاحتياج السكني وارتفاع تكلفة الاستبدال واستخدام العقار كوسيلة للتحوط من التضخم.
لكن في المقابل، تظهر مؤشرات تستحق المتابعة، من بينها ارتفاع الأسعار، وطول آجال السداد، وتراجع نشاط بعض المضاربين، ووجود عدد كبير من الوحدات قيد الإنشاء، إلى جانب تشديد الرقابة على تمويل المشروعات، مما يجعل التوصيف الأكثر دقة أن السوق تمر بمرحلة إعادة توازن واختبار للسيولة.
الاختبار الحقيقي للسوق
لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت أسعار العقارات ستواصل الارتفاع، بل أصبح الاختبار الحقيقي قدرة السوق على تحويل المبيعات التعاقدية إلى تدفقات نقدية منتظمة، وتنفيذ الوحدات في المواعيد المعلنة، والحفاظ على قدرة المشترين على سداد الأقساط.
وإذا استمرت معدلات التحصيل بصورة قوية، وظل كبار المطورين قادرين على التنفيذ، وتراجعت حالات المضاربة دون انتقال الضغوط إلى المشترين الحقيقيين، فقد تكون المرحلة الحالية مجرد تصحيح وإعادة فرز صحية للسوق، أما إذا اتسعت حالات التخلف عن السداد وتزايدت عمليات التخارج، فقد تنتقل السوق من إعادة التوازن إلى مرحلة تصحيح أكثر حدة.









