النفط يشتعل فوق 108 دولارات.. هجمات الحوثيين وتعطل خط سعودي يشعلان علاوة المخاطر

دخلت أسعار النفط أسبوعًا جديدًا على وقع صدمة جيوسياسية مزدوجة، بعدما أدت هجمات جديدة على السعودية واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب إلى رفع مخاوف الأسواق بشأن قدرة المنطقة على الحفاظ على تدفقات الطاقة.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت في التعاملات المبكرة إلى نحو 108.41 دولار للبرميل، بزيادة وصلت إلى 3.5%، قبل أن تتراجع المكاسب قليلًا، بينما قفز خام غرب تكساس الوسيط إلى 102.84 دولار بارتفاع اقترب من 4%.
وتأتي هذه القفزة بعد أسبوع سجل فيه النفط مكاسب قوية، مع تجاوز برنت حاجز 100 دولار للمرة الأولى منذ فترة، وسط اتساع المخاطر التي تهدد طرق تصدير الخام في الشرق الأوسط.
هجمات الحوثيين تضرب شريانًا سعوديًا
الشرارة الجديدة جاءت مع تصاعد هجمات جماعة الحوثيين على أهداف داخل السعودية، بالتزامن مع تهديدات متزايدة لحركة الشحن في البحر الأحمر.
والأكثر أهمية بالنسبة لسوق النفط أن السعودية أوقفت خط أنابيب شرق-غرب بعد تعرضه لهجوم جوي، وهو خط استراتيجي يسمح للمملكة بنقل الخام من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر وتجاوز الاختناق في مضيق هرمز.
ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، ولذلك فإن توقفه يحد من قدرة السعودية على إعادة توجيه صادراتها بعيدًا عن مناطق التوتر البحري.
وهنا تتغير حسابات السوق؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بسعر النفط المتاح، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بمكان وجوده وقدرة المنتجين على نقله إلى المشترين.
باب المندب يدخل دائرة الخطر
في الوقت نفسه، زادت المخاوف بشأن مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وتزامن ذلك مع تقدم الحوثيين وسيطرتهم على مناطق ساحلية قرب الممر البحري، بما يزيد قدرتهم على تهديد حركة السفن وطرق نقل الطاقة والتجارة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر بالنسبة للسعودية، بعدما لجأت المملكة إلى استخدام طرق عبر البحر الأحمر لتجاوز اضطرابات الملاحة في هرمز.
لكن استهداف البنية التحتية السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر معًا يعني أن خيارات إعادة توجيه الصادرات تصبح أضيق.
محادثات هرمز تتعثر.. والسوق يفقد بارقة أمل
وفي تطور آخر زاد الضغط على أسعار النفط، أعلنت سلطنة عُمان تأجيل اجتماع كان مقررًا بين إيران ودول خليجية لمناقشة مقترحات مرتبطة بمستقبل مضيق هرمز.
وقال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إن الاجتماع تأجل، من دون تحديد موعد جديد، بينما أشارت تقارير إلى أن التأجيل جاء في ظل صعوبة التوصل إلى توافق إقليمي.
وكانت الأسواق تنظر إلى الاجتماع باعتباره فرصة لفتح مسار دبلوماسي يمكن أن يخفف التوتر حول واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
لكن تأجيل المحادثات يعني أن هذه الفرصة لم تتحول بعد إلى انفراجة فعلية، وهو ما أعاد علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى أسعار الخام.
هرمز.. العقدة الأكبر في سوق الطاقة
يبقى مضيق هرمز نقطة الاختناق الأكثر حساسية في الأزمة.
فحتى مع وجود طرق بديلة، فإن أي استمرار لتعطل حركة الناقلات عبر المضيق يفرض تكاليف إضافية على شركات الشحن ويزيد مخاطر التأمين ويجبر المنتجين والمشترين على البحث عن مسارات بديلة.
وتشير أحدث تحليلات رويترز إلى أن تدفقات النفط عبر هرمز أصبحت عند نحو نصف مستويات ما قبل الصراع، وهو ما يوضح حجم الاختناق الذي يواجه سوق الطاقة.
ولهذا السبب، لا يتعامل المتداولون مع ارتفاع النفط الحالي باعتباره مجرد حركة مضاربية؛ فجزء كبير منه يعكس تسعيرًا لخطر استمرار نقص الإمدادات الفعلية.
لماذا ارتفع النفط بهذه السرعة؟
هناك 3 عوامل تتحرك في الاتجاه نفسه:
أولًا: تعطّل البنية التحتية.
توقف خط شرق-غرب السعودي يحد من مرونة المملكة في إعادة توجيه صادراتها.
ثانيًا: تهديد طرق الملاحة.
تصاعد الهجمات حول هرمز وباب المندب يزيد تكلفة نقل الخام ويرفع مخاطر التأمين والشحن.
ثالثًا: تعثر الدبلوماسية.
تأجيل اجتماع إيران ودول الخليج في عُمان حرم الأسواق من عامل كان يمكن أن يخفف علاوة المخاطر.
وهذه العوامل الثلاثة تفسر لماذا تحرك النفط سريعًا نحو 110 دولارات للبرميل بدلًا من التراجع بعد الارتفاعات التي سجلها خلال الأسبوع الماضي.
السعودية أمام معادلة أصعب
بالنسبة للسعودية، لا تكمن المشكلة فقط في إنتاج النفط، وإنما في كيفية إخراجه إلى الأسواق.
فالمملكة تملك قدرات إنتاج وتصدير ضخمة، لكن استمرار تعطّل بعض مسارات النقل يجعل الجغرافيا عاملًا حاسمًا في تحديد الكميات التي يمكن إيصالها إلى المشترين.
وقد حذر محللو بنك ANZ من أن فقدان الرياض خيار التصدير عبر الساحل الغربي إذا استمر الوضع في هرمز سيزيد الضغوط الصعودية على أسعار الخام.
وبالتالي، فإن استمرار الهجمات لفترة أطول قد يحول علاوة المخاطر من عامل مؤقت إلى عنصر دائم في تسعير النفط.
ماذا يعني النفط فوق 100 دولار للاقتصاد العالمي؟
عودة النفط إلى ما فوق 100 دولار تحمل تداعيات تتجاوز سوق الطاقة.
فالوقود الأعلى سعرًا يرفع تكلفة النقل والصناعة والشحن، ويمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.
وهذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر صعوبة، خصوصًا إذا استمر ارتفاع النفط في الوقت الذي لا تزال فيه معدلات التضخم أعلى من المستويات المستهدفة.
وفي الولايات المتحدة، تأتي صدمة النفط قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع، ما يزيد حساسية الأسواق تجاه أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة.
كما قد تواجه الأسواق الناشئة ضغطًا إضافيًا إذا أدى ارتفاع النفط إلى زيادة فاتورة الاستيراد واتساع الطلب على الدولار.
النفط أمام اختبار 110 دولارات
الأنظار الآن تتجه إلى ما إذا كان برنت سيتمكن من تجاوز 110 دولارات بصورة مستدامة، أم أن أي انفراجة سياسية ستدفع علاوة المخاطر إلى الانحسار سريعًا.
لكن المعادلة الحالية لا تزال شديدة الحساسية.
فكل هجوم جديد على منشآت الطاقة أو السفن قد يعيد إشعال الأسعار، بينما يمكن لأي اتفاق بشأن هرمز أو تحسن ملموس في حركة الملاحة أن يسحب جزءًا من علاوة المخاطر.
وبين السيناريوهين، يبقى العامل الحاسم هو مدة استمرار اضطرابات الإمدادات.
إذا استمرت الأزمة، فإن النفط لن يكون وحده في دائرة الخطر؛ إذ قد تنتقل الصدمة إلى التضخم، وأسعار الفائدة، وتكاليف النقل، والأسواق المالية.
والمؤشر الأهم خلال الأيام المقبلة لن يكون سعر برنت وحده، بل حركة صادرات السعودية عبر البدائل، وحجم المرور في مضيق هرمز وباب المندب، وأي تطور جديد في المسار الدبلوماسي بين إيران ودول الخليج.
فإذا استمرت الجبهات الثلاث مفتوحة، فقد تظل أسعار النفط قريبة من أعلى مستوياتها السنوية.
أما إذا نجحت الدبلوماسية في إعادة فتح مسارات الملاحة، فقد تتراجع علاوة المخاطر سريعًا حتى لو بقيت التوترات السياسية قائمة.









