أفريقيا أمام فجوة تمويلية تتجاوز 80 مليار دولار.. والسندات الرقمية تتحرك

تواجه أفريقيا فجوة تمويلية سنوية تتجاوز 80 مليار دولار في قطاع البنية التحتية، في وقت تتزايد فيه طموحات القارة لتنفيذ مشروعات ضخمة في النقل والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية.
وتدفع هذه الفجوة المؤسسات المالية والحكومات الأفريقية إلى البحث عن أدوات جديدة لتعبئة التمويل طويل الأجل، بالتزامن مع صعود الاستثمارات الخليجية في مشروعات البنية التحتية بالقارة، وظهور السندات الرقمية كأحد الحلول الحديثة لزيادة قدرة الأسواق الأفريقية على جذب رؤوس الأموال.
أفريقيا تبحث عن تمويل طويل الأجل للبنية التحتية
تستهدف أفريقيا، وفق أجندة التنمية طويلة الأجل للقارة «أجندة 2063»، بناء بنية تحتية ذات مستوى عالمي، تشمل ربط الدول بشبكات السكك الحديدية والطرق والموانئ والمطارات، إلى جانب تطوير قطاعات الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وتصطدم هذه الطموحات بحجم الاحتياجات التمويلية، إذ تشير تقديرات بنك التنمية الأفريقي إلى أن القارة تعاني سنويًا فجوة تمويلية في البنية التحتية تتجاوز 80 مليار دولار.
ولا تتعلق الأزمة فقط بتوفير التمويل للمشروعات الجديدة، وإنما تمتد إلى الحاجة لتطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية، بما يسمح للقارة بتعزيز التجارة الإقليمية والدولية.
الخليج يدخل بقوة إلى سوق البنية التحتية الأفريقية
وبينما شكلت الصين لعقود أحد أبرز شركاء أفريقيا في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، برزت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة كشريك استراتيجي متزايد الحضور في هذا القطاع.
وتعد مجموعة موانئ دبي العالمية، ومقرها دبي، من أبرز الشركات الخليجية التي توسع استثماراتها في البنية التحتية الأفريقية.
وفي أحدث تحركاتها، تستثمر المجموعة 100 مليون دولار في منطقة اقتصادية خاصة في كينيا، تستهدف دعم اندماج الشركات الكينية في سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية.
وتعكس هذه الاستثمارات تحولًا تدريجيًا في خريطة تمويل البنية التحتية الأفريقية، مع دخول مؤسسات وشركات خليجية إلى قطاعات الموانئ والمناطق الاقتصادية والمجمعات الصناعية والخدمات اللوجستية.
السندات الرقمية تظهر كأداة لتمويل أفريقيا
وفي ظل اتساع الاحتياجات التمويلية، تتجه الأنظار إلى السندات الرقمية باعتبارها أداة حديثة يمكن أن تساعد في تعبئة رؤوس الأموال وتطوير أسواق الدين.
وأصبحت مؤسسة التمويل الأفريقية «إيه إف سي» أول مؤسسة أفريقية تصدر هذا النوع من الأصول، بعدما جمعت 350 مليون فرنك سويسري، بما يعادل نحو 427.4 مليون دولار، من خلال سندات رقمية لأجل خمس سنوات.
وجرى هيكلة السندات كأوراق مالية رمزية باستخدام تقنية دفتر الأستاذ الموزع، وتسعيرها بفائدة بلغت 1.4925%.
ويعد الإصدار الأكبر على الإطلاق في سوق الفرنك السويسري، كما جذب اهتمام مستثمرين من مؤسسات مالية وبنوك ومديري أصول وصناديق تحوط.
لماذا تراهن المؤسسات على السندات الرقمية؟
تستهدف السندات الرقمية معالجة عدد من نقاط الضعف المرتبطة بإصدارات الدين التقليدية، وفي مقدمتها ارتفاع التكاليف، وكثرة الوسطاء، والعمليات اليدوية، وبطء إجراءات التسوية والتسجيل.
وقال إريك موساو، رئيس قسم الأبحاث والتمويل المستدام في بنك ستاندرد للاستثمار في كينيا، إن السندات الرقمية لديها القدرة على معالجة الاحتكاكات المرتبطة بإصدارات السندات التقليدية، بما يجعلها أداة مناسبة للمستثمرين ذوي مستويات المخاطر المختلفة.
ويعني استخدام تقنية دفتر الأستاذ الموزع في إصدار وتسجيل أدوات الدين إمكانية تبسيط عدد من العمليات المرتبطة بالسوق، مع زيادة كفاءة التسوية وإدارة الأوراق المالية.
سوق السندات الرقمية تتوسع عالميًا
ولا تقتصر موجة السندات الرقمية على أفريقيا، إذ شهدت السوق العالمية نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.
وبلغ إجمالي إصدارات أدوات الدخل الثابت القائمة على تقنية دفتر الأستاذ الموزع عالميًا نحو 4.8 مليار يورو، بما يعادل 5.5 مليار دولار، خلال عام 2025، بزيادة 48% مقارنة بنحو 3.2 مليار يورو في عام 2024، وفق بيانات رابطة الأسواق المالية في أوروبا.
واستحوذت آسيا على النصيب الأكبر من هذه الإصدارات، بعدما سجلت إصدارات بقيمة 3.8 مليار يورو خلال 2025، بما يمثل نحو 78% من إجمالي الإصدارات العالمية.
مؤسسة التمويل الأفريقية توسع دورها في تمويل المشروعات
وترى مؤسسة التمويل الأفريقية أن ضعف البنية التحتية يمثل أحد أكبر التهديدات أمام النمو طويل الأجل للقارة.
وحتى الآن، ساهمت المؤسسة في صرف نحو 19 مليار دولار لتمويل مشروعات في 36 دولة أفريقية، مع تركيز على قطاعات استراتيجية تشمل النقل والطاقة والموارد الطبيعية والصناعات الثقيلة والاتصالات.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة مع توجه أفريقيا إلى تعزيز التجارة البينية، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، وزيادة قدرتها على جذب الاستثمارات الصناعية.
النقل والمناطق الاقتصادية في قلب خطة التجارة الأفريقية
ويعد النقل والمناطق الاقتصادية الخاصة والمجمعات الصناعية من المكونات الأساسية لإنجاح منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
ومن المتوقع أن يؤدي توسع التجارة بين الدول الأفريقية إلى زيادة الطلب على خدمات النقل بمختلف أشكاله، خصوصًا النقل البحري واللوجستيات.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا إلى أن حجم الشحن البحري قد يرتفع من 58 مليون طن إلى 131.5 مليون طن بحلول عام 2030، مع تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
ويعني ذلك أن تمويل البنية التحتية لم يعد ملفًا منفصلًا عن التجارة، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في قدرة القارة على زيادة الإنتاج والتصدير وتحقيق التكامل الاقتصادي.
المعادلة الجديدة لتمويل أفريقيا
وتكشف التطورات الأخيرة عن تغير في طبيعة المنافسة على تمويل البنية التحتية الأفريقية.
فمن ناحية، تتوسع الاستثمارات الخليجية في الموانئ والمناطق الاقتصادية والمجمعات الصناعية، بينما تواصل المؤسسات الأفريقية البحث عن أدوات تمويل قادرة على جذب رؤوس الأموال العالمية.
ومن ناحية أخرى، تفتح السندات الرقمية الباب أمام نموذج مختلف لتمويل المشروعات، يعتمد على التكنولوجيا لتقليل تكاليف الإصدار والتسوية، وتوسيع قاعدة المستثمرين المحتملين.
لكن السندات الرقمية وحدها لن تكون كافية لسد فجوة تتجاوز 80 مليار دولار سنويًا؛ فحجم الاحتياجات الأفريقية يتطلب مزيجًا من التمويل المصرفي، والاستثمار المباشر، وتمويل المؤسسات التنموية، وأسواق رأس المال، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وتشير هذه المعادلة إلى أن مستقبل البنية التحتية في أفريقيا لن يتوقف فقط على حجم الأموال المتاحة، وإنما على قدرة القارة على بناء أدوات مالية طويلة الأجل قادرة على تحويل المدخرات والاستثمارات العالمية إلى مشروعات إنتاجية حقيقية.









