الرئاسة الأيرلندية تقترح ميزانية أوروبية بـ1.62 تريليون يورو.. وخفض 141 مليارًا

اقترحت الرئاسة الأيرلندية للاتحاد الأوروبي خفض الموازنة طويلة الأجل للتكتل خلال الفترة من 2028 إلى 2034 إلى نحو 1.62 تريليون يورو، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء بشأن حجم الإنفاق وأولوياته، وسط خلافات حول تمويل الزراعة والتنمية الإقليمية والدفاع والتنافسية الاقتصادية.

ويستهدف المقترح، الذي يمثل إطارًا تفاوضيًا جديدًا للدول الأعضاء السبع والعشرين، تقليص الإنفاق بنحو 141 مليار يورو مقارنة بالتصور السابق، تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق سياسي قبل نهاية عام 2026، بما يسمح باستكمال الإجراءات التشريعية خلال 2027 وبدء العمل بالموازنة الجديدة في يناير 2028.

خفض 141 مليار يورو مع حماية الإنفاق التقليدي

تتضمن الصيغة الأيرلندية تخفيضات تتركز بصورة أكبر في مجالات السياسة الخارجية والمساعدات التنموية والابتكار والدفاع، مع الحفاظ بدرجة أكبر على التمويل المخصص للسياسات التقليدية، وفي مقدمتها الزراعة والتنمية الإقليمية.

وتبلغ المخصصات المقترحة للسياسات الزراعية والإقليمية مجتمعة نحو 914 مليار يورو، بحسب تقارير عن الإطار التفاوضي الجديد، بينما تشمل التعديلات خفض النفقات الإدارية لمؤسسات الاتحاد بنحو 9 مليارات يورو.

وتعكس هذه التوزيعات محاولة لتحقيق توازن بين الدول التي تطالب بتقليص إجمالي الموازنة، وتلك التي ترى أن الحفاظ على الدعم الزراعي وتمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية في المناطق الأقل نموًا يمثلان ضرورة اقتصادية واجتماعية.

لماذا خُفضت الموازنة الأوروبية؟

كانت المفوضية الأوروبية قد قدمت في يوليو 2025 مقترحًا للموازنة طويلة الأجل يقترب من تريليوني يورو بالأسعار الجارية، بهدف تمويل أولويات التكتل خلال سبع سنوات، بما يشمل تعزيز التنافسية والتكنولوجيا والأمن والدفاع، إلى جانب استمرار برامج الزراعة والتنمية الإقليمية والبحث العلمي والبنية التحتية.

ومع تصاعد الخلافات بين الحكومات، بدأت الرئاسات الدورية المتعاقبة للاتحاد تقديم صيغ تفاوضية لتقريب المواقف. وقدمت قبرص، التي سبقت أيرلندا في الرئاسة الدورية، مقترحًا خلال يونيو 2026 بخفض محدود في الإنفاق، لم ينجح في إنهاء الخلاف بين الدول المساهمة الصافية في الموازنة والدول الأكثر استفادة من التمويل الأوروبي.

وتختلف نسبة الخفض المعلنة وفق أساس الأسعار المستخدم في المقارنة؛ إذ يقترب الرقم الأصلي للمفوضية من تريليوني يورو بالأسعار الجارية، بينما تبلغ قيمته نحو 1.76 تريليون يورو بأسعار 2025، وهو الأساس الذي يتيح المقارنة مع الرقم الأيرلندي البالغ 1.62 تريليون يورو والحديث عن خفض يقارب 8%.

خلاف بين الدول المساهمة والمستفيدة من الموازنة

تدفع دول أوروبية ذات مساهمات صافية مرتفعة، وفي مقدمتها ألمانيا وهولندا، باتجاه ضبط الإنفاق وتقليص حجم الموازنة، مع توجيه مزيد من الموارد إلى الأولويات الجديدة، مثل الأمن والدفاع والتكنولوجيا والتنافسية الاقتصادية.

في المقابل، تتمسك دول أخرى بالحفاظ على التمويل المخصص للزراعة والتنمية الإقليمية، باعتباره عنصرًا رئيسيًا في دعم المزارعين وتقليص الفجوات الاقتصادية بين المناطق الأوروبية.

وتعترض أطراف في البرلمان الأوروبي أيضًا على تقليص الموازنة، وترى أن مواجهة الأولويات الجديدة لا ينبغي أن تأتي على حساب الالتزامات القائمة، مطالبة بزيادة الإنفاق بنحو 10% قياسًا إلى مقترح المفوضية لتوفير التمويل الكافي للبرامج التقليدية والمستجدات الاستراتيجية.

ويعكس هذا الخلاف صعوبة التوفيق بين المطالب المتزايدة بتمويل الدفاع والتكنولوجيا والأمن، وبين رغبة عدد من الحكومات في الحد من مساهماتها الوطنية في موازنة الاتحاد.

الضرائب الأوروبية الجديدة ضمن خيارات التمويل

ولا يتوقف النقاش عند تحديد حجم الإنفاق، بل يمتد إلى كيفية تمويله وتقليل الاعتماد على مساهمات الدول الأعضاء وحدها.

وتشمل المقترحات الأوروبية مصادر إيرادات جديدة، من بينها عوائد مرتبطة بتصاريح انبعاثات الكربون، ورسوم على بعض الواردات كثيفة الانبعاثات، ومساهمات من الشركات الكبرى، إلى جانب موارد أخرى مقترحة لدعم الموازنة طويلة الأجل.

وتستهدف هذه الأدوات توفير موارد إضافية لتمويل أولويات التكتل، مع تخفيف الضغط على الميزانيات الوطنية. لكن الاتفاق على الضرائب والمساهمات الجديدة يظل بدوره موضع تفاوض، في ظل اختلاف مواقف الحكومات بشأن توزيع الأعباء المالية.

اتفاق نهاية 2026 يواجه مفاوضات صعبة

تسعى الدول الأعضاء إلى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الموازنة الجديدة قبل نهاية العام، على أن تخضع الصيغة النهائية للمفاوضات بين الحكومات والبرلمان الأوروبي.

ويتطلب اعتماد الإطار المالي متعدد السنوات موافقة بالإجماع من الدول الأعضاء داخل المجلس، إلى جانب موافقة البرلمان الأوروبي، ما يمنح كل دولة قدرة مؤثرة في مسار التفاوض ويجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا معقدًا.

ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي التطورات المتعلقة بالموازنة خلال قمة بروكسل المرتقبة، بينما تظل الخلافات بشأن سقف الإنفاق وتوزيع التمويل والمصادر الجديدة للإيرادات من أبرز الملفات التي يتعين حسمها.

الموازنة الجديدة اختبار لأولويات أوروبا الاقتصادية

تعكس الصيغة الأيرلندية محاولة لإعادة ترتيب الإنفاق الأوروبي في مرحلة تتزايد فيها احتياجات التكتل إلى تمويل الدفاع والأمن والتكنولوجيا والتنافسية، بالتوازي مع الحفاظ على الدعم الزراعي والتنمية الإقليمية.

لكن نجاح المقترح سيتوقف على قدرته على إرضاء الدول المطالبة بالانضباط المالي والدول التي تتمسك بزيادة الإنفاق، فضلًا عن التوصل إلى توافق بشأن مصادر التمويل الجديدة.

وبين ضغوط خفض الإنفاق ومتطلبات الاستثمار، تدخل الموازنة الأوروبية للسنوات السبع المقبلة مرحلة تفاوض حاسمة، ستحدد إلى حد كبير أولويات الاتحاد في مواجهة المنافسة الاقتصادية العالمية والتحديات الأمنية والتنموية حتى عام 2034.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى