800 مليون وظيفة مهددة.. البنك الدولي يراهن على أموال القطاع الخاص لإنقاذ فرص العمل

تواجه الاقتصادات النامية فجوة تُقدّر بنحو 800 مليون وظيفة خلال السنوات المقبلة، في تحدٍ يدفع مجموعة البنك الدولي إلى تكثيف جهودها لجذب الاستثمارات الخاصة وتوجيه المزيد من رؤوس الأموال العالمية إلى الأسواق الناشئة، بدلًا من الاعتماد على التمويل الحكومي ومؤسسات التنمية وحدها.
وتقوم الاستراتيجية على معالجة العقبات التي تحد من تدفق الاستثمار، من خلال تحسين القواعد التنظيمية، وتوسيع ضمانات الاستثمار، وإتاحة التمويل بالعملة المحلية، إلى جانب تطوير أدوات لتوزيع المخاطر وتحويل المشروعات التنموية إلى فرص استثمارية قابلة للتوسع.
وجاءت هذه التوجهات خلال مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026، المنعقدة في بانكوك، يوم الأربعاء 14 أكتوبر، حيث شدد المشاركون على أن توفير فرص العمل يتطلب زيادة مشاركة القطاع الخاص في تمويل المشروعات والبنية التحتية والأنشطة الإنتاجية.
800 مليون وظيفة.. الفجوة التي تدفع البنك الدولي للتحرك
حذر أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، من أن نحو 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سيبلغون سن العمل خلال السنوات الـ12 إلى 15 المقبلة، في حين لا يُتوقع توفير سوى نحو 400 مليون وظيفة وفق تقديرات المناقشات المعروضة.
ويعني ذلك احتمال اتساع الفجوة بين الداخلين الجدد إلى سوق العمل والوظائف المتاحة بنحو 800 مليون وظيفة، ما يجعل قدرة الاقتصادات النامية على جذب الاستثمارات وتوسيع النشاط الإنتاجي عاملًا حاسمًا في استيعاب العمالة الجديدة.
ويرى بانغا أن معالجة هذه الفجوة يمكن أن تدعم النمو والازدهار لعقود، بينما قد يؤدي الإخفاق في خلق فرص كافية إلى تعميق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وعدم الاستقرار.
وتستند رؤية البنك الدولي إلى دور القطاع الخاص في خلق الوظائف، مع العمل على تهيئة بيئة تسمح للشركات بالتوسع والاستثمار، بدلًا من تحميل الحكومات ومؤسسات التمويل التنموي وحدها عبء توفير رأس المال.
280 تريليون دولار.. أموال ضخمة لا تصل بالقدر الكافي للأسواق الناشئة
خلال النقاش، أشار مدير الجلسة شارانجيت ليل إلى أن البنوك والمستثمرين المؤسسيين يديرون أصولًا تُقدّر بنحو 280 تريليون دولار عالميًا، بينما لا تتجه سوى نسبة تتراوح بين 5% و8% منها إلى الاقتصادات الناشئة، وفق الأرقام المعروضة في المنتدى.
وتعكس هذه الفجوة حجم الأموال المتاحة عالميًا مقارنة بما يصل فعليًا إلى الأسواق التي تحتاج إلى تمويل المشروعات الإنتاجية والبنية التحتية وخلق فرص العمل.
لكن توجيه تلك الأموال لا يتوقف على توافر المشروعات وحده؛ إذ يوازن المستثمرون بين العائد المتوقع والمخاطر التنظيمية والائتمانية وتقلبات العملة والسيولة. ولذلك يركز البنك الدولي على تطوير أدوات تقلل هذه المخاطر وتزيد قدرة المشروعات في الأسواق الناشئة على اجتذاب المؤسسات الاستثمارية الكبرى.
5 أولويات لجذب رؤوس الأموال إلى الاقتصادات النامية
حدد مختبر استثمار القطاع الخاص التابع لمجموعة البنك الدولي مجموعة من الأولويات لتحسين تدفق الاستثمارات، تشمل إصلاح بيئة الأعمال، وتوسيع الضمانات، وزيادة التمويل بالعملة المحلية، وتوزيع المخاطر، وتطوير منتجات استثمارية تناسب المؤسسات الكبرى.
1. تحسين اليقين التنظيمي
تستهدف الخطة تعزيز وضوح القواعد التجارية والتنظيمية وتحسين الحوكمة، بما يساعد المستثمرين على تقييم المخاطر وتوقع الإجراءات الحكومية بصورة أكثر استقرارًا.
ووفق البيانات المطروحة، دعمت نحو 25% إلى 26% من عمليات تمويل البنك الدولي خلال العام السابق إصلاحات تنظيمية، في إشارة إلى أهمية تحسين بيئة الأعمال إلى جانب توفير التمويل نفسه.
2. توسيع ضمانات الاستثمار
يسعى البنك الدولي إلى توسيع منصة الضمانات الموحدة التي تتيح للمستثمرين الوصول إلى أدوات الحماية من المخاطر بصورة أبسط، بما يقلل العقبات التي قد تمنع تنفيذ المشروعات أو مشاركة المؤسسات المالية في تمويلها.
وتستهدف الضمانات تعزيز ثقة المستثمرين في المشروعات التي تواجه مخاطر مرتفعة، خصوصًا في الأسواق التي يصعب فيها الحصول على التمويل بالشروط التجارية المعتادة.
3. زيادة التمويل بالعملة المحلية
تستهدف الخطة توسيع استخدام العملات المحلية في التمويل، بما يخفف تعرض الشركات والمشروعات لمخاطر تقلب أسعار الصرف، خاصة عندما تكون إيراداتها بالعملة المحلية بينما تُسدد التزاماتها بعملات أجنبية.
وتشير بيانات المناقشات إلى أن مؤسسة التمويل الدولية تستطيع توفير نحو 36% إلى 37% من قروضها بالعملات المحلية، مع الاستفادة من أدوات مثل مقايضات العملات مع البنوك المحلية.
4. حماية المستثمرين من الخسائر الأولية
تتضمن الاستراتيجية استخدام آليات لتقاسم المخاطر، من بينها هياكل تتحمل بموجبها شرائح تمويلية محددة الخسائر الأولية قبل تأثر بقية المستثمرين.
وتهدف هذه الأدوات إلى جعل بعض المشروعات أكثر قبولًا للمستثمرين الذين تتطلب سياساتهم الاستثمارية مستويات محددة من المخاطر والعائد.
وفي هذا الإطار، أُشير إلى صندوق الفرص الواعدة التابع لمؤسسة التمويل الدولية، الذي بدأ تمويله بمبلغ 100 مليون دولار من الأرباح المحتجزة للمؤسسة، مع تصميم يستهدف جذب دعم خيري للمساعدة في امتصاص الخسائر الأولية.
5. تحويل المشروعات إلى منتجات استثمارية موحدة
تستهدف الأولوية الخامسة تطوير مشروعات الأسواق الناشئة في صورة منتجات وأدوات مالية موحدة يمكن أن تستوعبها محافظ صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديرو الأصول.
وتساعد هذه الخطوة على توسيع نطاق التمويل من خلال تقليل تعقيد الصفقات الفردية، وتقديم هياكل أكثر وضوحًا من حيث السيولة والمخاطر والعوائد والمتطلبات التنظيمية.
112 مليار دولار.. قفزة في تعبئة رأس المال الخاص
سجلت مجموعة البنك الدولي تقدمًا في جهود حشد التمويل الخاص؛ إذ أعلنت تعبئة 112 مليار دولار خلال السنة المالية 2026، مقارنة بنحو 35 مليار دولار في السنة المالية 2022، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال أربع سنوات.
كما تجاوزت إصدارات الضمانات 25 مليار دولار، متخطية الهدف السنوي البالغ 20 مليار دولار والمحدد لعام 2030 قبل موعده بأربع سنوات.
لكن شريتي فاديرا، رئيسة مختبر استثمار القطاع الخاص، شددت على أن قياس النجاح ينبغي ألا يقتصر على حجم الأموال التي جرى حشدها، بل يجب أن يشمل وصول التمويل إلى البلدان والمشروعات المستهدفة وقدرته على توليد نتائج تنموية فعلية.
وتظهر البيانات تفاوتًا في توزيع رأس المال الذي جرى حشده؛ إذ بلغ نحو 3 مليارات دولار في البلدان منخفضة الدخل خلال السنة المالية 2026، مقابل 37 مليار دولار في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا و50 مليار دولار في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا.
وتبرز هذه الفجوة تحديًا إضافيًا أمام البنك الدولي، يتمثل في توجيه مزيد من الاستثمارات إلى الدول الأكثر احتياجًا والأعلى مخاطرة، لا سيما الاقتصادات الهشة والمتأثرة بالصراعات.
ماكواري ومؤسسة التمويل الدولية تبحثان توسيع الاستثمار
أكدت شيمارا ويكراماناياكي، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة ماكواري، أن جذب أموال صناديق التقاعد والمدخرات الشخصية إلى الأسواق الناشئة يتطلب عوائد تتناسب مع المخاطر، مشيرة إلى أن مؤسسات التمويل التنموي يمكن أن تؤدي دورًا في جذب المستثمرين عبر الضمانات وتحمل بعض المخاطر التي يصعب تسعيرها تجاريًا.
وأوضحت أن ماكواري استثمرت أكثر من 17 مليار دولار في الأسواق الناشئة على مدار 15 عامًا، في أسواق شملت الهند والبرازيل والمكسيك والفلبين.
كما أشارت إلى خطط تعاون مع مؤسسة التمويل الدولية في مشروع لشبكة الكهرباء بالمكسيك، ومع صندوق المناخ الأخضر في مشروع لتأجير السيارات الكهربائية في الهند، مع بحث إمكانية إطلاق مشروعات تجريبية إضافية في جنوب شرق آسيا.
وتعكس هذه الخطوات توجهًا نحو استخدام الشراكات بين مؤسسات التنمية والمستثمرين التجاريين لتوسيع التمويل في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتحول الاقتصادي.
الطاقة المتجددة تكشف عقبات التمويل
سلطت بسمة بن طاهر، رئيسة قسم التطوير في شركة AMEA Power، الضوء على عدد من العقبات التي تواجه الاستثمارات في الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها محدودية شبكات الكهرباء، وعدم وضوح الخطط الحكومية واتفاقيات شراء الطاقة، إلى جانب فجوات تقاسم المخاطر والاختلاف بين المخاطر المتصورة والفعلية.
وأشارت إلى حصول الشركة على إطار ضمان للمخاطر السياسية بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار من الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، يغطي 23 مشروعًا للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة.
وطالبت بتوفير ضمانات أكثر توحيدًا وإجراءات موافقة أسرع، بما يساعد على تقليل الوقت اللازم لتحويل المشروعات من خطط معلنة إلى استثمارات منفذة.
كما ركزت المناقشات على أهمية البيانات الموثوقة، وتحسين الأطر القانونية، وتطوير أسواق رأس المال المحلية، باعتبارها عوامل تؤثر في قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل طويل الأجل.
التحدي المقبل.. تحويل السيولة العالمية إلى وظائف فعلية
تجمع استراتيجية البنك الدولي بين توسيع التمويل الخاص وإصلاح البيئة التنظيمية وتطوير الأدوات المالية التي تسمح بتوزيع المخاطر بين الحكومات ومؤسسات التنمية والمستثمرين التجاريين.
ويظل التحدي الأساسي في تحويل هذه الأدوات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، خصوصًا في البلدان منخفضة الدخل والاقتصادات الهشة، حيث ترتفع المخاطر وتكون قدرة الأسواق المحلية على استيعاب التمويل أقل.
وبينما تكشف أرقام السنة المالية 2026 عن تقدم كبير في تعبئة رؤوس الأموال الخاصة، فإن نجاح الاستراتيجية سيُقاس بمدى وصولها إلى الاقتصادات الأكثر احتياجًا، وقدرتها على توسيع النشاط الإنتاجي وتمويل البنية التحتية وخلق فرص العمل التي تحتاج إليها الأجيال الجديدة.









