البنك الدولي يحدد 4 شروط لنجاح الذكاء الاصطناعي.. تجربة هندية تصل إلى 50 مليون مزارع

أكد مايكل كريمر، كبير الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي، أن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في البلدان النامية يتطلب أربعة شروط أساسية، تشمل إتاحة الأدوات مفتوحة المصدر، ودمج التكنولوجيا مع الخبرة البشرية، ووضع معايير واضحة لقياس الجودة، وتوفير تمويل مستدام يخلق طلبًا فعليًا على الحلول الفعالة.

وقال كريمر، خلال محاضرة ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في 15 أكتوبر 2026، إن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات لتحسين دخول المزارعين، وتطوير الرعاية الصحية، ورفع مستويات التعليم، لكن تحقيق هذه المكاسب يتوقف على تغيير الحكومات أساليب شراء التكنولوجيا واختبارها وتطبيقها.

وأوضح أن التحدي لم يعد مقتصرًا على إثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الخدمات العامة، بل أصبح يتعلق بكيفية توسيع نطاق استخدام الحلول الناجحة، وضمان وصول فوائدها إلى أعداد أكبر من المستفيدين.

50 مليون مزارع يستفيدون من توقعات الطقس

واستعرض كريمر تجربة استخدام التنبؤات الجوية لدعم المزارعين في الهند وإثيوبيا، مشيرًا إلى وصول التوقعات إلى أكثر من 50 مليون مزارع في البلدين، مع تطلعه إلى توسيع التجربة لتشمل دولًا أخرى.

وتكتسب هذه التطبيقات أهمية خاصة للمزارعين الذين يعتمدون على الزراعة المطرية، إذ يؤثر توقيت زراعة المحاصيل بصورة مباشرة في حجم الإنتاج ومخاطر تلف البذور وهدر الأسمدة، بينما تزيد التغيرات المناخية من صعوبة تحديد الموعد الأنسب للزراعة.

وأشار كريمر إلى أن تجارب عشوائية أُجريت في مناطق مختلفة أظهرت أن المزارعين الذين يحصلون على توقعات علمية يغيرون قراراتهم الزراعية، بما يسهم في زيادة الدخل والحد من مخاطر الخسائر الكبيرة في المحاصيل.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تحسين دقة التنبؤات الجوية وسرعتها، وخفض تكلفة تشغيل النماذج، بما يسمح باستخدامها على أجهزة حاسوب عادية بدلًا من الاعتماد دائمًا على الحواسيب العملاقة.

النماذج المفتوحة تتيح تطوير حلول محلية

وأوضح كبير اقتصاديي البنك الدولي أن إتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي بصورة مفتوحة تساعد الحكومات على تكييفها وفق احتياجاتها المحلية، بدلًا من الاعتماد على حلول مغلقة أو مرتفعة التكلفة.

وأشار إلى أن الهند دمجت عدة نماذج لإنتاج توقعات أفضل من تلك التي يقدمها كل نموذج منفردًا، مع إمكانية الجمع بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والنماذج القائمة على القوانين الفيزيائية التي تستخدمها مؤسسات الأرصاد الجوية.

كما طورت إثيوبيا نموذجًا يدمج بيانات محلية، وجرى اختباره على نطاق شمل مئات الآلاف من المزارعين، وفقًا لما أورده كريمر.

وشدد على أن نجاح التجربة لا يتوقف على دقة النموذج وحدها، بل يتطلب تصميم المعلومات بما يتوافق مع احتياجات المستخدمين الفعلية. ففي حالة المزارعين، لا تكمن الأولوية في عرض بيانات الأرصاد الجوية المجردة، وإنما في الإجابة عن سؤال عملي: هل الظروف مناسبة للزراعة؟

ولفت إلى أن القائمين على التجربة الهندية اختبروا صيغًا مختلفة للرسائل بعد ملاحظة صعوبة فهم بعض المزارعين للتوقعات الاحتمالية، كما استخدموا الرسائل النصية والصوتية للوصول إلى المستفيدين.

وبحسب النتائج الأولية التي عرضها كريمر، أسهمت التجربة في تحقيق زيادة بنسبة 8.5%، فيما لم تتجاوز تكلفة تطوير التوقعات وإيصالها بضعة سنتات لكل مزارع.

التكامل مع الخبرة البشرية شرط لنجاح التطبيقات

وأكد كريمر أن دمج التكنولوجيا في الأنظمة البشرية والخدمات العامة يمثل الشرط الثاني لتوسيع نطاق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بتطبيقات صحية تساعد العاملين في المجتمعات المحلية على تقدير طول الرضع ووزنهم من خلال مقاطع فيديو قصيرة، أو إجراء فحوص أولية للكشف عن السل باستخدام تسجيلات للسعال.

وأوضح أن أدوات الذكاء الاصطناعي في هذه التطبيقات تمثل نحو 20% فقط من إجمالي الجهد والتكلفة، بينما يذهب الجزء الأكبر إلى العمل مع العاملين الصحيين والحكومات لضمان دمجها في أنظمة تقديم الخدمة.

واستشهد أيضًا بدراسة لتطبيق رقمي يستخدمه ما يصل إلى 100 مليون عامل صحي مجتمعي في الهند، حتى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، أظهرت تحسنًا في مؤشرات تشمل رعاية ما قبل الولادة، وتناول مكملات حمض الفوليك، وتطعيم النساء الحوامل.

وأشار إلى أن توسيع نطاق تطبيقات التنبؤ بالطقس يتطلب بدوره تنسيقًا بين جهات متعددة، تشمل وزارات الزراعة ومؤسسات الأرصاد والجهات العلمية، إلى جانب الاستفادة من العلوم السلوكية في تصميم الرسائل واختبارها.

معايير الجودة تحمي الحكومات من الحلول غير الفعالة

وفيما يتعلق بالشرط الثالث، حذر كريمر من أن اعتماد السعر الأقل معيارًا رئيسيًا في المشتريات الحكومية قد يؤدي إلى اختيار أدوات ذكاء اصطناعي رخيصة لكنها غير فعالة، خصوصًا عندما تكون جودة المنتجات صعبة التقييم قبل استخدامها على نطاق واسع.

وقال إن غياب المعايير الواضحة يزيد احتمالات اتخاذ قرارات الشراء استنادًا إلى الحملات التسويقية والعروض التوضيحية، بدلًا من النتائج المثبتة في ظروف الاستخدام الفعلية.

وأضاف أن تكلفة البرمجيات قد تمثل جزءًا محدودًا من التكلفة الإجمالية للنظام، بينما يؤدي ضعف أداء أداة تعليمية، على سبيل المثال، إلى إهدار وقت المعلمين والطلاب، بما يجعل السعر المنخفض وحده مؤشرًا غير كافٍ على القيمة الاقتصادية.

ودعا إلى وضع أطر تقييم تحدد الادعاءات التي يقدمها المطورون، وكيفية التحقق منها، ومدى قدرة الأدوات على العمل في ظروف متنوعة، مع إجراء اختبارات محكمة وتجارب واقعية في قطاعات مثل التعليم والصحة.

وأشار إلى تجربة هندية ربطت جزءًا من مدفوعات الموردين بتحسن نتائج التعلم، مع اختبار منتجات مختلفة في بيئات متعددة ومقارنة نتائجها، بما يشجع الشركات على تطوير جودة الحلول بدلًا من الاكتفاء بتسويقها.

التمويل يخلق سوقًا للحلول المثبتة

أما الشرط الرابع، فيتمثل في توفير طلب موثوق ومستدام على الحلول الفعالة من خلال التمويل، بما يشجع المطورين والباحثين على الاستثمار في أدوات تحقق أثرًا ملموسًا.

وأوضح كريمر أن العمل الخيري أسهم في دعم بعض تطبيقات التنبؤ بالطقس، داعيًا المؤسسات المالية الدولية إلى تعزيز دورها في تمويل الحلول التقنية المرتبطة بقطاعات مثل الصحة والتعليم والزراعة.

وأشار إلى أن ربط التمويل بأدلة موثوقة على أداء المنتجات من شأنه مساعدة الحكومات على اتخاذ قرارات شراء أفضل، وفي الوقت نفسه إرسال إشارات واضحة إلى المطورين بأن الحلول التي تثبت فعاليتها في الواقع لديها فرص أكبر للتوسع والاعتماد.

واختتم كريمر بالتأكيد على أهمية تعاون الحكومات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والباحثين لتحويل الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي إلى نتائج تنموية ملموسة، بدلًا من الاكتفاء بالتجارب المحدودة أو الوعود التقنية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى