الدكتور وليد فاروق يكتب:« هل فقد المصريون الثقة في الذهب ؟ »
مدير « مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية »

إذا كان هناك سؤال يفرض نفسه اليوم داخل سوق الذهب المصرية، فهو: هل فقد المصريون ثقتهم في الذهب بعد موجة الهبوط الأخيرة؟ سؤال يبدو منطقيًا للوهلة الأولى، خاصة مع التراجعات الحادة التي شهدتها الأسعار خلال الأسابيع الماضية، وحالة الترقب التي خيمت على السوق، وتردد كثيرين بين الشراء انتظارًا لمزيد من الانخفاض، أو البيع خوفًا من استمرار التراجع. لكن الاقتراب أكثر من المشهد يكشف أن ما يحدث لا يعكس فقدانًا للثقة، بقدر ما يعكس حالة من الحذر فرضتها سرعة التقلبات.
فالمصريون لم ينظروا إلى الذهب يومًا باعتباره مجرد سلعة أو وسيلة للزينة، بل اعتبروه مخزنًا للقيمة ورفيقًا للادخار في أوقات عدم اليقين، ومن يتأمل تاريخ السوق يدرك أن العلاقة بين المصريين والمعدن الأصفر لم تُبنَ على توقعات المحللين أو تقارير البنوك، وإنما صنعتها التجارب التي مرت بها الأسر المصرية عبر سنوات طويلة.
ولعل التجربة الأقرب ما عاشه المصريون خلال بين 2022 و2024، حين تعرض الجنيه لضغوط كبيرة، وارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة، وشعر كثيرون بأن مدخراتهم تفقد جزءًا من قيمتها الشرائية مع مرور الوقت،
في تلك الفترة، وجد عدد كبير من الأسر في الذهب وسيلة لحماية ما ادخرته على مدار سنوات، فلم يكن مجرد استثمار حقق مكاسب، بل كان بالنسبة لكثيرين ملاذًا حافظ على قيمة أموالهم في وقت كانت فيه الأسواق تعيش واحدة من أصعب مراحلها، ومن هنا ترسخت قناعة لدى شريحة واسعة من المصريين بأن الذهب ليس وسيلة لتحقيق الربح السريع، بقدر ما هو وسيلة للحفاظ على قيمة المال عندما تتغير الظروف الاقتصادية.
ولهذا، فإن التراجع الحالي لا يعني بالضرورة أن هذه القناعة قد تبدلت، وإنما يعكس اختلافًا في سلوك المتعاملين، فالمشتري الذي كان يندفع إلى الشراء مع كل ارتفاع، أصبح اليوم أكثر هدوءًا، ينتظر ويراقب، بينما فضل البعض تأجيل قرار الشراء أملاً في مستويات أقل، في حين اضطر آخرون إلى البيع لتوفير السيولة، وهذه كلها تصرفات طبيعية تشهدها أي سوق تمر بمرحلة تصحيح، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على أن المصريين تخلوا عن الذهب أو فقدوا ثقتهم فيه.
أما أسباب التراجع نفسها، فهي ترتبط في الأساس بما يجري في الأسواق العالمية، فقد أعادت الأسواق تسعير توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأمريكية، بعدما تزايدت التقديرات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ومع ارتفاع العائد على السندات واستعادة الدولار جزءًا من قوته، تراجعت جاذبية الذهب مؤقتًا باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، واتجهت بعض الصناديق إلى جني الأرباح بعد موجة صعود تاريخية، وهو ما فرض ضغوطًا على الأسعار العالمية.
وانتقلت هذه الضغوط سريعًا إلى السوق المصرية، لكنها جاءت مصحوبة بعوامل محلية زادت من حدة التراجع، أبرزها انخفاض العلاوة السعرية التي كانت قد ارتفعت خلال فترات سابقة، إلى جانب التحسن النسبي في سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وهدوء الطلب المحلي مع انتظار المستهلكين لاتضاح اتجاه السوق، لذلك بدا الهبوط في بعض الأحيان أكبر من مجرد انعكاس لحركة الأوقية في البورصات العالمية.
ورغم ذلك، فإن الصورة الكاملة تبدو مختلفة إذا نظرنا إليها من زاوية أوسع، فالعوامل الأساسية التي دعمت الذهب خلال السنوات الأخيرة لم تختفِ؛ فالبنوك المركزية حول العالم لا تزال تواصل شراء الذهب بوتيرة مرتفعة، والديون السيادية العالمية عند مستويات تاريخية، كما أن الاقتصاد العالمي ما زال يواجه قدرًا كبيرًا من عدم اليقين، وهذه العوامل قد تتراجع أهميتها مؤقتًا أمام تأثير أسعار الفائدة، لكنها لم تغادر المشهد.
وفي الداخل، لا تزال ذاكرة المصريين تحتفظ بتجارب قريبة تؤكد أن قيمة الذهب لا تُقاس بحركة أسبوع أو شهر، فمن احتفظ بجزء من مدخراته في الذهب خلال السنوات الماضية كان أقل تعرضًا لتآكل القوة الشرائية مقارنة بمن احتفظ بها في صورة نقدية فقط. ولهذا فإن كثيرًا من الأسر أصبحت تتعامل مع الذهب باعتباره جزءًا من خطة الادخار، وليس مجرد سلعة تخضع لتقلبات الأسعار اليومية.
ولا يعني ذلك أن الذهب لا يهبط أو أنه يخلو من المخاطر، فهو كغيره من الأصول يمر بموجات صعود وهبوط، وقد تستمر الضغوط عليه إذا واصل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سياسته النقدية المتشددة، أو استمر الدولار في تحقيق مكاسب جديدة، لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الذهب لم يتحرك يومًا في خط مستقيم، وأن فترات التصحيح كانت جزءًا طبيعيًا من دوراته السعرية.
ويبقى السؤال الذي بدأنا به قائمًا: هل فقد المصريون الثقة في الذهب؟ ربما تكون الإجابة الأقرب هي أن الثقة لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر نضجًا، فالمصري الذي خاض تجربة السنوات الأخيرة لم يعد يطارد الأسعار صعودًا أو هبوطًا كما كان يفعل البعض في السابق، بل أصبح أكثر وعيًا بأن الذهب ليس وسيلة للثراء السريع، وإنما أحد أهم أدوات الحفاظ على قيمة المدخرات على المدى الطويل.
ولذلك، فإن ما نشهده اليوم قد يؤجل قرار الشراء لدى البعض، وقد يدفع آخرين إلى الانتظار، لكنه لا يبدو كافيًا لتغيير قناعة تكونت عبر سنوات طويلة، ورسختها التجربة قبل أن تؤكدها الأرقام. فالذهب بالنسبة للمصريين لم يكن يومًا مجرد سعر يُكتب على شاشة، بل ظل، وسيظل على الأرجح، أحد أهم رموز الأمان المالي في أوقات تتغير فيها كل الأشياء سريعًا.









