الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب :« أين حقوق الطيور والأسماك ؟ »

خلال السنوات العشر الأخيرة تقريبًا، ظهر في المجتمع اهتمام متزايد بالكلاب والقطط، حتى صار هذا الاهتمام لافتًا للنظر في الشوارع والأحياء السكنية. ولم يعد الأمر مقتصرًا على تربية الحيوانات الأليفة داخل المنازل، بل امتد إلى إطعام الكلاب والقطط في الطرقات وتحت العمارات وفي مساحات عامة كثيرة.ورغم أن الرحمة بالحيوان قيمة إسلامية إنسانية نبيلة لا يختلف عليها إثنين ، فإن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا السلوك إلى مظهر عشوائي يضر بالنظافة العامة، ويؤثر في حق المواطن في شارع نظيف وآمن، خصوصًا مع تكرار حوادث الاعتداء أو العض التي يتعرض لها بعض الأطفال والسيدات وكبار السن بسبب الكلاب الضالة المسعورة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم:
لماذا هذا الاهتمام الجارف بالكلاب والقطط وحدها، بينما لا نكاد نرى اهتمامًا مماثلًا بالطيور والأسماك؟
فالطيور جزء من جمال الحياة، وألوانها مبهجة، وأصواتها في الصباح تبعث الراحة في النفس البشرية .
لكنها فقدت كثيرًا من موائلها الطبيعية بعد إزالة مساحات خضراء واسعة وأشجار قديمة في عدد من المناطق.ففي مصر الجديدة، على سبيل المثال، أُزيلت مساحات كبيرة من الخضرة بأشجارها العتيقة. كما طالت الإزالة أجزاءً من حديقة الميريلاند، وحديقة الطفل بمدينة نصر، وأجزاء من الحديقة الدولية، إلى جانب مناطق خضراء في الدقي والمهندسين والزمالك، وذلك لصالح مشروعات مختلفة. ونحن نؤكد هنا احترامنا لأهمية المشروعات القومية، لكننا في الوقت نفسه نتساءل: هل بحث أحد بجدية عن حلول بديلة تحافظ على الأشجار والحدائق؟
وهل فكر أحد في مصير الطيور التي كانت تعيش في هذه الأماكن ثم فقدت بيئتها الطبيعية ،وعلى الجانب الآخر، شهدت بعض المناطق المطلة على نهر النيل في معظم محافظات مصر النيلية ، وكذلك بعض السواحل المطلة على البحر المتوسط، أعمال ردم أو تعديلات عمرانية لإقامة ممشى أو كافيهات أو مطاعم. ورغم أن تطوير الواجهة النيلية أو الساحلية قد يكون مطلوبًا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل من الضروري أن يكون التطوير على حساب النيل أو البحر أو المساحات المفتوحة والطبيعة نفسها ،والأهم من ذلك: إذا اضطررنا فعلًا إلى إزالة حديقة أو جزء من نهر أو شاطئ من أجل مشروع جديد، فالأولى أن يكون هذا المشروع مشروعًا إنتاجيًا يضيف للدولة قيمة اقتصادية حقيقية، ويوفر عملة صعبة، ويدعم الصناعة أو الزراعة او الصيد أو التصدير، لا أن يكون مجرد نشاط قائم في معظمه على الاستيراد.فكثير من الكافيهات والمطاعم تعتمد بنسبة ٩٠٪ على سلع ومكونات مستوردة، سواء بشكل كامل أو جزئي، مثل بعض المشروبات والمواد الغذائية ومستلزمات التشغيل. وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، تصبح الأولوية الحقيقية هي دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الصناعة الوطنية، ومساندة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حتى نخفف من فاتورة الاستيراد ونوفر فرص عمل حقيقية للشباب.ومن هنا، فإننا نناشد المسؤولين الالتزام بفكرة البحث خارج الصندوق، وهي الفكرة التي دعا إليها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة. والمطلوب اليوم ليس فقط تنفيذ المشروعات، بل أيضًا البحث عن أفضل البدائل التي تحقق التنمية وتحافظ في الوقت نفسه على البيئة والموارد الطبيعية.
إن الأولويات التي نحتاج إليها بوضوح هي:
أولًا: وقف التوسع في إزالة المساحات الخضراء، والبحث عن حلول عمرانية تحافظ على الأشجار والحدائق.
ثانيًا: تجنب ردم النيل أو البحر إلا في أضيق الحدود، وبعد دراسة حقيقية لتأثير ذلك على البيئة والمجتمع.
ثالثًا: تشجيع الصناعة المحلية في مجالات الغذاء والملابس والمنتجات اليومية والصناعات الصغيرة.
رابعًا: دعم الفلاحين والصيادين وتشجيعهم على الاستثمار في الزراعة والصيد، من خلال توفير المعدات، والتدريب، وتخفيف الأعباء الضريبية والرسوم المختلفة.كما أن الرحمة يجب أن تكون شاملة ومتوازنة. فمن الجميل أن نهتم بالحيوانات، لكن من الضروري أيضًا ألا ننسى الطيور والأسماك، وألا نغفل في الأول وقبل ذلك كله الإنسان الفقير الذي قد لا يجد ما يأكله أو يجد قوت يومه . فالأولى أن تمتد أيدينا بالعون إلى المحتاجين، وأن نغرس في المجتمع ثقافة الرحمة المنظمة، لا الرحمة العشوائية التي قد تخلق مشكلات جديدة.
في النهايه نؤكد إننا لا نرفض الرحمة بالحيوان لانها دعوة دينية في الكتاب والسنة النبوية الشريفة ، بل ندعو إلى توسيع معناها، لتشمل الإنسان والبيئة وكل الكائنات التي تشاركنا هذا الوطن. نريد شوارع نظيفة، وأحياء آمنة، وحدائق محفوظة، ونيلًا وبحرًا بلا تعديات، كما نريد اقتصادًا يقوم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى الصناعة لا الاستيراد.
حفظ الله مصر، وألهم أبناءها ومسؤوليها حسن الاختيار، لما فيه خير البلاد والعباد.









