الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب : « إمبراطورية “الفيفا” والظل الدولي »

قيل قديماً إن الفاسد لا يخشى القانون عندما يمتلك ظهيراً سياسياً، وحماية عائلية، وقبولاً اجتماعياً، وقوة مال تشتري الضمائر والمنصات .

وفي عالمنا المعاصر، لا توجد تجسيد حي لهذه المقولة أصدق ولا أعمق من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تلك المؤسسة التي تحولت من جمعية رياضية تدير شؤون ليست تهدف إلى الربح (اللعبة الشعبية الأولى) إلى إمبراطورية عابرة للقارات، تمارس سيادة تعلو فوق سيادة الدول، وتتمتع بحصانة دبلوماسية وقانونية غير معلنة تجعلها فوق الحساب.

المشكلة في الفيفا لم تكن يوماً في مجرد وجود الفساد كحالات فردية، بل تكمن بالأساس في كثرة الحراس الذين يقفون على أبواب هذا الفساد ، وفي شبكة العلاقات المعقدة التي تضمن بقاء المنظومة متحكمة في مصائر أحلام الملايين، خاصة في العالم العربي، والإسلامي، والأفريقي، والآسيوي.

ديمقراطية زائفة وحصانة الغرب المستبد

تتبجح الفيفا دائماً بمنح صوت متساوٍ لكل دولة عضو في جمعيتها العمومية.

لكن الحقيقة المرة هي أن هذا التساوي هو واجهة تسويقية فقط.

ففي الكواليس، تتمتع القوى الكروية والاقتصادية الكبرى في الغرب (أوروبا تحديداً) بحماية دولية وبسطوة قادرة على توجيه العقوبات والقرارات وفقاً للمصالح الجيوسياسية.

عندما يتعلق الأمر بالدول النامية في أفريقيا وآسيا والعالم العربي، يُشهر سيف القوانين ومكافحة الفساد والتدخل الحكومي فجأة.

تُجمد اتحادات، وتُفرض عقوبات قاسية بحجة استقلالية الرياضة . بينما حين تمارس العواصم الغربية ضغوطاً سياسية واقتصادية مباشرة لتوجيه ملفات استضافة أو معاقبة دول معينة، يصمت حراس الفيفا وتتحول المبادئ إلى حبر على ورق.

استغلال الجنوب العالمي ومواهب بلا حقوق وصوت مباح

في معادلة الفيفا الاقتصادية، تقع قارات أفريقيا وآسيا وأجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي في موقع المُصدِّر للمواد الخام والمهارات. تُستنزف المواهب الشابة من ملاعب أفريقيا المتربة ودول المشرق والمغرب العربي لتباع في أسواق أوروبا بمليارات الدولارات، بينما لا يعود إلى هذه البيئات النامية إلا الفتات من برامج تطوير وهمية.

إن الفساد الدولي داخل أروقة الفيفا يمارس تهميشاً منظماً ضد هذه الدول:

التوزيع غير العادل للمقاعد والموارد: لعقود طويلة، ظلت أفريقيا وآسيا ممثلتين بعدد مقاعد لا يتناسب إطلاقاً مع حجم شغف شعوبها وكثافتها السكانية في نهائيات كأس العالم، مقارنة بأوروبا.

الكيل بمكيالين في السياسة والرياضة: يظهر الكذب والنفاق الدولي جلياً في سرعة استجابة الفيفا لفرض عقوبات وحظر رياضي شامل على دول لأسباب سياسية غربية ، بينما تُقمع وتُمنع أي محاولة من المنتخبات واللاعبين العرب والمسلمين للتعبير عن تضامنهم الإنساني مع قضاياهم المصيرية (مثل القضية الفلسطينية)، تحت ذريعة عدم خلط السياسة بالرياضة

كيف نصنع الفاسدين بأيدينا؟

لكن، وبكل صراحة تقتضيها المهنية، ليس كل مسؤول يولد فاسداً . إن جزءاً كبيراً من المعاناة الرياضية والتنموية في العالم العربي والأفريقي نابع من الداخل. لقد صنعت بعض شعوبنا ومؤسساتنا هؤلاء الفاسدين عندما سكتت عن تجاوزات رؤساء اتحاداتها المحلية، ودافعت عن لصوص الرياضة بدافع التعصب للأندية أو الولاءات الضيقة، وبررت سقطاتهم بدلاً من محاسبتهم.

عندما يتحول الفاسد المحلي إلى زعيم محصن بعلاقاته المتشعبة مع الفيفا، مستقوياً بالخارج على قوانين بلده الداخليه، فلا عجب أن نرى رياضتنا المحلية تتراجع ومواهبنا تضيع.

خلاصة مؤلمة:

هل الفشل قدر محتوم؟

يقول الواقع المرير إن إصلاح أي شيء أصعب بكثير من إنشائه . والمنظومة التي تشكلت على مدار أكثر من ١٠٠ عام٦لحماية مصالح نخب معينة في سويسرا وعواصم القرار الغربي لن تتنازل عن عرشها بسهولة.

قد يبدو للبعض أن محاولة إصلاح هذا الهيكل الرياضي الدولي ضرب من الوهم، وأن العدالة الغائبة ستدرك كل مصلح بالفشل قبل أن يبدأ.

لكن الحقيقة أن مواجهة غول الفساد في الفيفا تتطلب جبهة موحدة من دول الجنوب (العربي، الإسلامي، الأفريقي، والآسيوي) ترفض دور التابع ، وتستخدم قوتها التصويتية وثرواتها البشرية والاقتصادية لفرض واقع جديد وإعادة صياغة القوانين.

الكرة لم تكن يوماً مجرد جلد منفوخ إنها أداة قوة ناعمة ومعركة كرامة لشعوب لا تطلب سوى تكافؤ الفرص وعدالة في المعاملة تحت شمس هذا الكوكب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى