الدكتور وليد فاروق يكتب :« لماذا تقود البنوك المركزية أكبر موجة شراء في العصر الحديث؟ »

في كل مرة يواجه فيها الاقتصاد العالمي اختبارًا صعبًا، يعود الذهب إلى دائرة الضوء بوصفه الملاذ الأخير للثقة، إلا أن ما يشهده العالم منذ عام 2022 يتجاوز فكرة اللجوء التقليدي إلى المعدن الأصفر خلال الأزمات، فالمحرك الأكبر للطلب لم يعد المستثمرون أو صناديق الاستثمار، بل البنوك المركزية نفسها، التي تقود أكبر موجة شراء مستدامة للذهب في العصر الحديث، في تحول يعكس إعادة صياغة فلسفة إدارة الاحتياطيات الدولية، وإعادة تعريف مفهوم الأمن المالي للدول.
ولم تكن هذه الموجة وليدة ارتفاع أسعار الذهب، ولا استجابة لحركة الأسواق اليومية، وإنما جاءت نتيجة تغيرات فرضتها التطورات الجيوسياسية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة.
فقد كشفت الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ثم تصاعد العقوبات الاقتصادية والانقسامات الجيوسياسية، أن الاحتياطيات الأجنبية لم تعد بمنأى عن المخاطر السياسية، وهو ما دفع العديد من البنوك المركزية إلى إعادة النظر في مكونات احتياطياتها الرسمية.
وتعكس بيانات مجلس الذهب العالمي حجم هذا التحول بوضوح، فبعد أن بلغ متوسط صافي مشتريات البنوك المركزية نحو 473 طنًا سنويًا خلال الفترة بين عامي 2010 و2021، قفزت المشتريات إلى 1080 طنًا في عام 2022، وهو أحد أعلى المستويات المسجلة تاريخيًا، ثم سجلت 1050.8 طنًا في عام 2023، قبل أن ترتفع إلى مستوى قياسي جديد بلغ 1092.4 طنًا في عام 2024.
ورغم تباطؤ وتيرة الشراء إلى 850.1 طنًا خلال عام 2025، فإنها ظلت أعلى بكثير من المتوسط التاريخي، بينما أضافت البنوك المركزية 243.7 طنًا أخرى إلى احتياطياتها خلال الربع الأول من عام 2026 وحده، بما يؤكد استمرار الاتجاه الاستراتيجي نحو زيادة حيازة الذهب.
وباحتساب الفترة من بداية عام 2022 وحتى نهاية عام 2025، تكون البنوك المركزية قد أضافت أكثر من 4073 طنًا من الذهب إلى احتياطياتها، وهي كمية تعادل احتياطيات أكبر الاقتصادات الذهبية في العالم، وتعكس بوضوح أن الذهب عاد ليحتل مكانة محورية داخل النظام النقدي العالمي.
ويرى كثير من المحللين أن نقطة التحول الأساسية جاءت بعد قرار تجميد ما يقرب من 300 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية الروسية عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فقد أثبتت تلك الخطوة أن الأصول المقومة بالعملات الأجنبية يمكن أن تصبح عرضة للعقوبات أو القيود السياسية، بينما يظل الذهب أصلًا ماديًا لا يمثل التزامًا على أي حكومة أو بنك مركزي، ولا يحمل مخاطر الطرف المقابل إذا كان محفوظًا داخل الدولة المالكة له.
ومن هنا، عاد الذهب ليؤدي دوره التاريخي بوصفه أصلًا نقديًا عالميًا، وليس مجرد سلعة أو ملاذ آمن، فهو لا يمكن طباعته بقرار سياسي، ولا يرتبط بملاءة دولة أو مؤسسة مالية، كما أنه احتفظ عبر التاريخ بقدرته على حفظ القيمة خلال فترات التضخم والأزمات المالية والاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما يمنحه خصائص يصعب توافرها في أي أصل احتياطي آخر.
ولم يعد الهدف من شراء الذهب هو التحوط من التضخم وحده، بل أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لتنويع الاحتياطيات الرسمية وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي.
ولا يعني ذلك أن العالم يتخلى عن الدولار باعتباره العملة الاحتياطية الأولى، وإنما يشير إلى اتجاه متزايد نحو بناء محافظ احتياطية أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة الصدمات المالية والجيوسياسية.
وتبرز الصين بوصفها النموذج الأكثر وضوحًا لهذا التحول. فقد واصل بنك الشعب الصيني شراء الذهب للشهر العشرين على التوالي حتى يونيو 2026، مضيفًا 15 طنًا خلال ذلك الشهر، لترتفع احتياطياته الرسمية إلى نحو 2346 طنًا، أو ما يعادل 75.44 مليون أوقية.
ولا تنفصل هذه السياسة عن استراتيجية بكين الرامية إلى تعزيز دور اليوان في التجارة الدولية، وتطوير أسواق الذهب الآسيوية، وتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي.
ولم تكن الصين وحدها في هذا المسار، إذ واصلت بولندا تعزيز احتياطياتها ضمن خطة لرفع حصة الذهب إلى نحو 20% من إجمالي الاحتياطيات، كما زادت الهند وسنغافورة والتشيك وعدد من البنوك المركزية في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط مشترياتها من المعدن الأصفر، بينما أعادت بعض الدول جزءًا من احتياطياتها المخزنة في الخارج إلى أراضيها، في مؤشر على تنامي الاهتمام بالسيادة الكاملة على الأصول الاستراتيجية.
وتؤكد استطلاعات مجلس الذهب العالمي أن هذا الاتجاه مرشح للاستمرار، فقد أظهر أحدث استطلاع للبنوك المركزية أن 89% من المشاركين يتوقعون ارتفاع إجمالي احتياطيات الذهب الرسمية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، فيما أكد 45% منهم أنهم يعتزمون زيادة احتياطياتهم من الذهب، وهي أعلى نسبة منذ بدء إجراء هذه الاستطلاعات.
كما توصل المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية (OMFIF) إلى نتائج مشابهة، إذ أظهر أن الذهب أصبح من أكثر الأصول المرشحة لزيادة وزنه داخل المحافظ الاحتياطية خلال السنوات المقبلة، في وقت تتجه فيه البنوك المركزية إلى تقليل الاعتماد النسبي على الدولار، دون أن يعني ذلك انتهاء هيمنته على النظام النقدي العالمي.
ولم يقتصر تأثير هذه المشتريات على هيكل الاحتياطيات، بل امتد إلى سوق الذهب نفسها، فبعدما كانت الأسعار تتحرك بصورة رئيسية وفق قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة، أصبح الطلب الرسمي يمثل ركيزة جديدة توفر قاعدة مستقرة للسوق وتحد من حدة التقلبات.
وقد ظهر هذا بوضوح خلال عام 2026، عندما تعرض الذهب لضغوط نتيجة قوة الدولار وارتفاع توقعات تشديد السياسة النقدية، إلا أن استمرار مشتريات البنوك المركزية، ولا سيما في آسيا، ساهم في الحفاظ على توازن السوق ومنع الأسعار من الدخول في موجة هبوط ممتدة، وهو ما يعكس اختلاف طبيعة الطلب الرسمي عن الطلب الاستثماري قصير الأجل.
فالاستثمار الذي تقوم به البنوك المركزية لا يستهدف تحقيق أرباح رأسمالية سريعة، وإنما يندرج ضمن استراتيجيات طويلة الأجل لحماية الاحتياطيات الوطنية وتعزيز الاستقرار المالي.
ولهذا لا تتغير قرارات الشراء مع كل ارتفاع أو انخفاض في الأسعار، بل تستند إلى اعتبارات تتعلق بالأمن الاقتصادي والسيادة النقدية.
ويبدو أن هذا التحول لن يتوقف في المستقبل القريب، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، وتزايد التنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى، فضلًا عن سعي الاقتصادات الناشئة إلى بناء احتياطيات أكثر تنوعًا واستقلالًا.
ولعل أهم ما تكشفه هذه التطورات أن العالم لا يشهد مجرد دورة صعود جديدة في سوق الذهب، وإنما يشهد تحولًا أعمق في فلسفة إدارة الاحتياطيات الدولية.
فبعد أكثر من نصف قرن على انهيار نظام “بريتون وودز”، يعود الذهب تدريجيًا إلى قلب النظام النقدي العالمي، ليس بوصفه بديلًا للدولار، وإنما باعتباره أحد أهم أصول الثقة والسيادة المالية في عالم تتزايد فيه المخاطر وتتغير فيه موازين القوة الاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة.









