الذهب يخترق 4500 دولار لأول مرة منذ يونيو.. وتراجع الدولار يشعل موجة صعود جديدة

قفزت أسعار الذهب بنحو 4% إلى 4508.28 دولار للأوقية يوم الأربعاء، متجاوزة مستوى 4500 دولار للمرة الأولى منذ أوائل يونيو، بعدما أدى تدخل وزارة الخزانة الأمريكية لدعم سوق السندات إلى تراجع عوائد الخزانة والدولار، في الوقت الذي كشفت فيه محاضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن استمرار مخاوف صانعي السياسة بشأن التضخم واحتمال اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة إذا لم تتراجع ضغوط الأسعار.

وارتفعت العقود الآجلة للذهب 3.3% إلى 4567.94 دولار للأوقية، مسجلة أعلى مستوياتها منذ 29 مايو، في واحدة من أقوى جلسات المعدن النفيس خلال الفترة الأخيرة.

الذهب يستعيد 4500 دولار بقوة

جاء اختراق الذهب لمستوى 4500 دولار بعد موجة صعود قوية، مدفوعة بشكل أساسي بتراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل.

وفي الساعة 15:55 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، سجل الذهب الفوري نحو 4511.16 دولار، مرتفعًا بأكثر من 176 دولارًا، أو نحو 4.07% خلال الجلسة.

وتكتسب منطقة 4500 دولار أهمية فنية ونفسية كبيرة، خصوصًا أن تجاوزها يأتي بعد نجاح الذهب في استعادة مستويات رئيسية خلال موجة التعافي الأخيرة.

والأهم أن الصعود جاء رغم استمرار المخاوف بشأن التضخم، ما يعكس قوة الطلب على الذهب كأداة للتحوط وتنويع المحافظ الاستثمارية.

الخزانة الأمريكية تقلب سوق السندات لصالح الذهب

كان التحول الأبرز في الأسواق إعلان وزارة الخزانة الأمريكية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

وبداية من 9 سبتمبر، سترفع الخزانة حجم عمليات إعادة الشراء لدعم السيولة في الأوراق المالية طويلة الأجل من 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار لكل عملية.

وسرعان ما انعكس القرار على سوق السندات، حيث اندفع المستثمرون إلى شراء السندات طويلة الأجل.

وتراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا بنحو 9.2 نقطة أساس إلى 5.193%، بعدما سجل الثلاثاء 5.337%، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو 2007.

وهنا تظهر الحلقة الرئيسية وراء صعود الذهب: انخفاض العوائد ضغط على الدولار، وتراجع الدولار عزز جاذبية الذهب المقوم بالعملة الأمريكية.

لماذا صعد الذهب رغم تشدد الفيدرالي؟

تكشف حركة الذهب عن مفارقة مهمة في الأسواق.

فمحضر اجتماع الفيدرالي لشهر يوليو أظهر أن العديد من صانعي السياسة يرون أن رفع أسعار الفائدة قد يكون ضروريًا إذا لم ينخفض التضخم.

لكن الأسواق ركزت في المقابل على انخفاض عوائد السندات والدولار، باعتبارهما محركين مباشرين لأسعار الذهب.

وهذا يعني أن المستثمرين لا يتعاملون مع محضر الفيدرالي بمعزل عن بقية الأسواق، بل يوازنون بين احتمالات الفائدة من جهة، وتحركات الدولار والعوائد والسيولة من جهة أخرى.

محضر الفيدرالي يكشف انقسامًا بشأن الفائدة

أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع يوليو، لكن ثلاثة رؤساء لبنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية عارضوا القرار وصوتوا لصالح رفع الفائدة.

وكشف المحضر أن المخاطر المحيطة بالتضخم لا تزال تميل إلى الجانب الصعودي.

كما أشار صانعو السياسة إلى أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يطيل أمد اضطرابات سلاسل الإمداد، ويزيد الضغوط على أسعار السلع والطاقة.

وبالتالي، فإن ارتفاع الذهب الحالي لا يعني أن الأسواق تجاهلت خطر رفع الفائدة، وإنما يعكس قوة عوامل أخرى، في مقدمتها الدولار والعوائد والمخاطر الجيوسياسية.

النفط يضيف وقودًا للتحوط من التضخم

تراجعت مكاسب النفط خلال تعاملات الأربعاء، لكنها ظلت مرتفعة بنحو 3% خلال الأسبوع، مع استمرار حالة الجمود بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز.

وارتفع خام برنت بنحو 0.2% إلى 91.20 دولار للبرميل.

ويظل المضيق أحد أهم مصادر المخاطر بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، خصوصًا مع استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران بشأن الملاحة وإدارة الممر المائي.

ارتفاع النفط يخلق معادلة مزدوجة للذهب.

فمن ناحية، قد يؤدي ارتفاع الطاقة إلى زيادة التضخم، وهو ما قد يدفع الفيدرالي إلى التشدد.

ومن ناحية أخرى، فإن المخاطر الجيوسياسية وارتفاع التضخم المحتمل يعززان الطلب على الذهب كأداة للتحوط.

هل يستطيع الذهب مواصلة الصعود؟

اختراق 4500 دولار يمثل تطورًا مهمًا في مسار الذهب، لكنه لا يعني تلقائيًا أن المعدن دخل موجة صعود بلا سقف.

فالاستمرار فوق هذا المستوى يحتاج إلى دعم من الدولار والعوائد، إلى جانب استمرار الطلب الاستثماري والجيوسياسي.

وفي المقابل، فإن عودة عوائد السندات إلى الارتفاع أو ظهور بيانات تضخم قوية قد تعيد الضغط على المعدن.

كما أن استمرار ارتفاع النفط قد يضع الفيدرالي أمام خيار أكثر صعوبة، وهو ما يجعل بيانات التضخم المقبلة وتصريحات مسؤولي البنك المركزي شديدة الأهمية.

المشهد الأهم الآن: الذهب تجاوز 4500 دولار، لكن المفارقة أن هذا الصعود جاء في الوقت الذي لا يزال فيه الفيدرالي يناقش احتمال رفع الفائدة. ولذلك فإن المعركة المقبلة في سوق الذهب لن تكون مع التضخم وحده، وإنما مع الدولار وعوائد السندات وتوقعات الفائدة في وقت واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى