باركليز : تباطؤ القوى العاملة الأمريكية قد يطيل ضغوط الأجور رغم ضعف الوظائف

كشف بنك باركليز أن البيانات الإجمالية المنشورة لسوق العمل الأمريكي قد لا تعكس الصورة الكاملة، مشيرًا إلى تدهور حاد في نمو عرض العمل، مع توقعات بأن يستمر الضعف لفترة طويلة بفعل تباطؤ الهجرة وشيخوخة السكان وتراجع معدلات المشاركة في سوق العمل.

واستند تحليل باركليز إلى بيانات جزئية من مسح القوى العاملة، شملت معلومات تفصيلية عن الجنسية وحداثة الهجرة وأسباب عدم المشاركة في سوق العمل، وهي عناصر لا تظهر بالكامل في التقرير الشهري التقليدي للقوى العاملة.

ويرى البنك أن هذا التراجع قد تكون له تداعيات مهمة على سوق العمل وعلى قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لأن ضعف نمو القوى العاملة يمكن أن يجعل حتى الزيادات المحدودة في عدد الوظائف كافية للحفاظ على ضيق سوق العمل واستمرار ضغوط الأجور.

نمو القوى العاملة يتراجع أسرع من السكان

خلصت تقديرات باركليز للفترة من يناير إلى أغسطس 2026 إلى أن نمو القوى العاملة تراجع بصورة أكبر من نمو السكان، مع انخفاضات متوسطة تقارب 100 ألف نسمة لكل مليون نسمة.

ويشير هذا الفارق إلى أن تباطؤ عرض العمل لا يرتبط فقط بانخفاض نمو السكان، وإنما يتصل أيضًا بتغيرات داخل الفئات السكانية نفسها، وعلى رأسها معدلات المشاركة في سوق العمل.

ويرى محللو باركليز أن السؤال الرئيسي يتمثل في تحديد مدى ارتباط التراجع بالعوامل الديموغرافية، مثل الهجرة وشيخوخة السكان، مقابل العوامل السلوكية المرتبطة بقرار الأفراد المشاركة في سوق العمل.

الهجرة لم تعد مصدر العمالة كما كانت

أشار باركليز إلى أن الانخفاض الكبير في الهجرة الإنسانية والدخول غير النظامي، إلى جانب زيادة عمليات الترحيل، أدى إلى تراجع حاد في بعض فئات المهاجرين.

ووفق تقديرات البنك، كانت الهجرة قبل عدة سنوات مصدرًا رئيسيًا للعمالة الجديدة في الاقتصاد الأمريكي، بينما أصبحت مساهمتها حاليًا محدودة نسبيًا في نمو السكان.

وأظهرت دراسة باركليز انخفاضًا حادًا في نمو السكان غير الحاملين للجنسية، بالتزامن مع تحول نمو القوى العاملة في هذه الفئة إلى معدل سلبي في المتوسط.

لكن البنك لفت إلى أن تباطؤ نمو القوى العاملة لم يقتصر على غير المواطنين، إذ تراجع أيضًا نمو القوى العاملة بين المواطنين مقارنة بالسنوات السابقة.

العوامل الديموغرافية لا تفسر التراجع وحدها

يرى باركليز أن شيخوخة السكان وتراجع نسبة غير المواطنين تؤثران سلبًا في المشاركة من خلال التركيبة السكانية، بينما تسهم عوامل مثل التقاعد ورعاية المنزل والأسرة وأسباب أخرى في خفض المشاركة داخل الفئات الديموغرافية نفسها.

ويعني ذلك أن جزءًا من ضعف عرض العمل ناتج عن تغير تركيبة السكان وسلوك المشاركين في السوق معًا، وليس عن انخفاض عدد السكان فحسب.

وأشار البنك إلى أن تراجع القوى العاملة كان أكبر من تراجع نمو السكان، ما يشير إلى وجود عوامل إضافية وراء ضعف المعروض من العمالة.

ارتفاع عدم المشاركة مرتبط بمن لا يريدون العمل

تظهر أبحاث باركليز أن ارتفاع نسبة عدم المشاركة في سوق العمل يرجع بالكامل إلى الأشخاص الذين يصرحون بعدم رغبتهم في العمل.

وفي المقابل، ظلت نسبة السكان خارج القوى العاملة الذين يرغبون في العمل، بمن فيهم العاطلون عن العمل، مستقرة نسبيًا.

ويشير ذلك إلى أن التحدي لا يتمثل فقط في وجود أشخاص يرغبون في العمل ولا يجدونه، وإنما في اتساع شريحة من السكان التي لا تسعى أصلًا إلى دخول سوق العمل.

وظائف أقل قد تبقي السوق ضيقة

يرى باركليز أن ضعف نمو القوى العاملة يمكن أن يغيّر العلاقة المعتادة بين نمو الوظائف والبطالة.

فإذا كانت التقديرات السابقة لنمو القوى العاملة قد بالغت في حجم المعروض الفعلي من العمالة، فقد يبقى نمو الوظائف عند الصفر أو دونه لفترة ممتدة من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى ارتفاع كبير في معدل البطالة.

وبحسب تحليل البنك، قد تكون الزيادات المحدودة في الوظائف كافية للحفاظ على ضيق سوق العمل، وبالتالي استمرار ضغوط الأجور، إذا ظل نمو القوى العاملة أضعف من التقديرات السابقة.

باركليز لا يتوقع انعكاسًا سريعًا للاتجاه

يتبنى البنك نظرة متشائمة بشأن إمكانية حدوث انعكاس مستدام لهذا التراجع، وإن كان يرى أن وتيرة الانخفاض قد تبدأ في التباطؤ.

ويرجح باركليز أن تباطؤ الهجرة وشيخوخة السكان يمثلان عوامل أكثر استمرارية، بينما قد يكون بعض الضعف الناتج عن معدلات المشاركة قابلًا للتغير مع تحسن الظروف الاقتصادية.

لكن البنك يرى في الوقت نفسه أن القوى الديموغرافية والسلوكية التي تقف وراء تباطؤ عرض العمل لن تشهد تحولًا كبيرًا في المدى القريب.

المعادلة الجديدة أمام الاحتياطي الفيدرالي

تحمل قراءة باركليز أهمية مباشرة للسياسة النقدية الأمريكية، لأن تقييم سوق العمل لا يعتمد فقط على عدد الوظائف المضافة أو معدل البطالة، وإنما أيضًا على حجم العمالة المتاحة بالفعل.

وفي حال استمر نمو القوى العاملة عند مستويات ضعيفة، فقد يبقى سوق العمل أكثر ضيقًا مما تشير إليه بعض البيانات الإجمالية، وهو ما قد يحافظ على ضغوط الأجور حتى في بيئة تتسم بضعف نمو الوظائف.

وبحسب رؤية باركليز، فإن تباطؤ عرض العمل أصبح عاملًا رئيسيًا يجب مراقبته عند تقييم مسار سوق العمل الأمريكي، خصوصًا مع استمرار التغيرات المرتبطة بالهجرة والتركيبة العمرية للسكان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى