مرصد الذهب: تراجع الطلب في مصر 13% خلال الربع الثالث .. والسبائك تستحوذ على 60%

كشف مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية عن تراجع الطلب على الذهب في مصر خلال الربع الثالث من عام 2026، بنحو 13% على أساس فصلي، مدفوعًا بارتفاع أسعار المعدن الأصفر وتزايد ضغوط المعيشة والالتزامات التعليمية، بالتزامن مع تحول واضح في خريطة المشتريات لصالح السبائك والعملات الذهبية التي استحوذت على نحو 60% من إجمالي الطلب.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن تراجع مشتريات الذهب يعكس ضغوطًا متزامنة على القدرة الشرائية للأسر، موضحًا أن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة قلصا القدرة على شراء المشغولات، بينما عزز انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار دوافع الادخار في الذهب لدى شريحة من المواطنين.
تراجع مشتريات المشغولات الذهبية 21.6% خلال الربع الثالث
وأوضح فاروق أن القراءة الأهم لبيانات الربع الثالث لا تقتصر على انخفاض حجم المشتريات، وإنما تمتد إلى التغير في طبيعة الطلب، بعدما دفعت الظروف الاقتصادية المواطنين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم بين شراء الذهب للزينة والاحتفاظ به باعتباره وسيلة للادخار.
ووفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، تراجعت مشتريات المصريين من المشغولات الذهبية إلى نحو 3.83 طن خلال الربع الثالث من 2026، مقابل 4.35 طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض سنوي 12.1%، كما تراجعت بنسبة 21.6% مقارنة بالربع الثاني من العام الحالي.
في المقابل، بلغت مشتريات السبائك والعملات الذهبية نحو 5.85 طن، بزيادة سنوية 5%، رغم انخفاضها بنسبة 6.1% مقارنة بالربع الثاني، الذي سجل نحو 6.23 طن.
وتوضح المقارنة أن الطلب على الذهب بغرض الادخار كان أكثر تماسكًا على أساس سنوي مقارنة بمشتريات المشغولات، رغم تراجع النوعين على أساس فصلي.
السبائك والعملات تستحوذ على 60% من الطلب
واستحوذت السبائك والعملات الذهبية على نحو 60% من إجمالي مشتريات الذهب في السوق المصرية خلال الربع الثالث من 2026، في مؤشر على تغير أولويات شريحة من المشترين، مع تزايد الاهتمام بالذهب باعتباره وسيلة للاحتفاظ بالقيمة.
ويعكس هذا التحول اختلاف دوافع الشراء؛ فالمقبلون على المشغولات يرتبط قرارهم بالزينة والمناسبات والقدرة على تحمل تكلفة المصنعية، بينما يركز مشترو السبائك والجنيهات الذهبية بصورة أكبر على قيمة المعدن نفسه باعتباره أحد أدوات الادخار.
ولفت المرصد إلى أن تراجع مشتريات المشغولات لا يعني بالضرورة انتقال جميع المشترين إلى السبائك والعملات، إذ إن جزءًا من المستهلكين قد يؤجل الشراء أو يقلل الوزن أو يتجه إلى قطع أقل تكلفة.
ارتفاع أسعار الذهب يضغط على القدرة الشرائية
ورصد مرصد الذهب ارتفاع الأسعار المحلية باعتباره أحد أبرز العوامل المؤثرة في قرارات الشراء، إذ زاد سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 255 جنيهًا خلال يوليو، ثم ارتفع بنحو 390 جنيهًا خلال أغسطس، ليغلق الشهر عند 6330 جنيهًا، بعدما سجل 6600 جنيه خلال الأسبوع الثالث.
وخلال سبتمبر، تراجع سعر الجرام بنحو 220 جنيهًا، لينهي الربع الثالث عند مستوى 6110 جنيهات، وهو ما أبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بقدرة شرائية محدودة لدى قطاعات من المستهلكين.
وأوضح المرصد أن ارتفاع سعر الذهب يجعل المواطن صاحب الميزانية الثابتة قادرًا على شراء وزن أقل من المعدن، ما يدفعه إلى تقليل الكميات أو تأجيل قرار الشراء أو اختيار مشغولات أخف وزنًا وأقل تكلفة.
وكانت دراسة سابقة للمرصد قد رصدت تغيرًا في سلوك مشتري المشغولات الذهبية، مع تحول الميزانية المتاحة إلى نقطة البداية في اختيار القطعة بدلًا من الوزن، والاتجاه إلى شراء أوزان أخف.
التضخم ومصروفات المدارس يقلصان مشتريات الذهب
ولم تقتصر الضغوط على ارتفاع أسعار الذهب، إذ أسهمت الالتزامات المعيشية في تقليص الدخل المتاح للأسر، بعدما ارتفع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.8% خلال سبتمبر، مقابل 12.7% في أغسطس، مع ارتفاع أسعار الطعام والمشروبات، وتسجيل قسم التعليم زيادة سنوية بلغت 20%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وقال وليد فاروق إن تأثير هذه الضغوط يرتبط بما يتبقى من دخل الأسرة بعد الوفاء باحتياجاتها الأساسية، موضحًا أن الرغبة في اقتناء الذهب قد تستمر، بينما تتراجع القدرة الفعلية على تمويل الشراء.
وأضاف أن المشغولات الذهبية تصبح في هذه الحالة من بنود الإنفاق القابلة للتأجيل أو خفض الوزن، بخلاف الاحتياجات اليومية التي يصعب الاستغناء عنها.
وتزامن الربع الثالث مع الاستعداد للعام الدراسي الجديد، بما أضاف التزامات مالية إلى ميزانيات الأسر وزاد المنافسة على الدخل المتاح للإنفاق.
ورغم عدم إمكانية عزل أثر موسم الدراسة بصورة مستقلة على مشتريات الذهب، فإنه يظل أحد العوامل المحتملة ضمن الضغوط التي قلصت قدرة المواطنين على شراء المشغولات خلال الفترة.
تراجع الجنيه يعزز دوافع الادخار في الذهب
وعلى صعيد سعر الصرف، أشار المرصد إلى أن الدولار ارتفع من نحو 49 جنيهًا مع بداية يوليو إلى قرابة 52 جنيهًا بنهاية سبتمبر، وهو ما أسهم في زيادة تكلفة الذهب محليًا، بالتزامن مع تأثير الأسعار العالمية للأوقية.
وأوضح فاروق أن تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار يحمل تأثيرًا مزدوجًا على سوق الذهب؛ فمن ناحية يرفع تكلفة الشراء ويضغط على القدرة الشرائية، ومن ناحية أخرى يعزز دوافع الاحتفاظ بالمعدن لدى بعض المدخرين باعتباره وسيلة للحفاظ على قيمة الأموال.
وأكد أن انخفاض قيمة العملة المحلية لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادة إجمالي الطلب على الذهب، لأن ارتفاع تكلفته يؤثر على جميع المشترين، لكن طبيعة التأثير تختلف بحسب الهدف من الشراء.
فالمواطن الذي يشتري الذهب للزينة قد يؤجل قراره، بينما قد يرى المدخر في تراجع الجنيه سببًا إضافيًا للاحتفاظ بجزء من أمواله في الذهب، إذا سمحت قدرته المالية بذلك.
لماذا يفضل المدخرون السبائك والجنيهات الذهبية؟
وتفسر هذه العوامل التماسك النسبي لمشتريات السبائك والعملات الذهبية مقارنة بالمشغولات؛ إذ يركز المشتري بغرض الادخار على قيمة المعدن، بينما يتحمل مشتري المشغولات تكلفة إضافية ترتبط بالمصنعية، إلى جانب خصم يقدر بنحو 2% عند إعادة البيع، وفق ما أورده المرصد.
ومن ثم، قد يفضل صاحب الهدف الادخاري توجيه ميزانيته إلى السبائك والعملات الذهبية، لتقليل الأعباء الإضافية المرتبطة بشراء المشغولات، دون أن يعني ذلك أن كل تراجع في مشتريات المشغولات تحول بالضرورة إلى مشتريات ادخارية جديدة.
وفي جانب المعروض، رصدت التقارير الأسبوعية لمرصد الذهب خلال أغسطس نشاطًا في إعادة بيع الذهب المستعمل، بالتزامن مع ضعف الطلب الجديد وتراجع العلاوة السعرية المحلية إلى خصم طفيف في بعض التعاملات.
وتشير هذه الحركة إلى توافر معروض في سوق يواجه ضغوطًا على المشتريات الجديدة، فيما تظل حاجة بعض الأسر إلى السيولة تفسيرًا محتملًا لجزء من عمليات إعادة البيع، دون إمكانية اعتبارها دافعًا مؤكدًا لجميع البائعين.
وليد فاروق: سوق الذهب يشهد تغيرًا في أولويات المشترين
وخلص الدكتور وليد فاروق إلى أن الربع الثالث من 2026 شهد تراجعًا في القدرة على شراء كميات جديدة من الذهب، بالتزامن مع استمرار اهتمام شريحة من المواطنين بالادخار في المعدن الأصفر.
وأوضح أن ضغوط الأسعار والمعيشة تحملت المشغولات الذهبية جانبًا كبيرًا من تأثيرها، بينما حافظت السبائك والعملات على مستويات طلب أعلى من العام الماضي، بما يعكس تغيرًا في تركيبة السوق واختلاف الأولويات بين اقتناء الذهب للزينة والاحتفاظ به لحماية المدخرات.
ويؤكد هذا التحول أن قراءة سوق الذهب لا تتوقف عند إجمالي حجم المشتريات، بل تمتد إلى طبيعة المنتجات التي يفضلها المستهلكون، والظروف الاقتصادية التي تتحكم في قراراتهم الشرائية والادخارية.









