مصر تفتح جبهة جديدة لإحلال الواردات.. مصانع للمنغنيز وخطة لرفع مساهمة التعدين

تتحرك مصر لتغيير معادلة الاستفادة من ثروتها المعدنية، عبر التوسع في تصنيع الخامات محليًا بدلًا من تصديرها أو استيراد منتجات تدخل في صناعات أساسية، ضمن خطة تستهدف زيادة القيمة المضافة وتقليص فاتورة الواردات بالتعاون مع شركات عالمية.

وقال خالد هاشم، وزير الصناعة، إن الصناعات التعدينية أصبحت من القطاعات ذات الأولوية في استراتيجية الوزارة بعد تحديثها بالتنسيق مع وزارة البترول والثروة المعدنية، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل على تحديد الخامات ذات الأولوية وفق معايير تشمل الطلب العالمي، وحجم الخام المتاح محليًا، وسهولة استخراجه، واحتياجات الطاقة اللازمة لعمليات الاستخراج والتصنيع.

وأكد الوزير أن الهدف هو استغلال الخامات المحلية ومعالجتها لتحقيق قيمة مضافة أكبر داخل الاقتصاد المصري.

320 مليون دولار من الواردات تحت المجهر

تبرز صناعة المنغنيز والحراريات في مقدمة الملفات التي تتحرك الحكومة لتوطينها، إذ تستورد مصر منتجات مرتبطة بهذين النشاطين بقيمة تتجاوز 320 مليون دولار سنويًا وفق الأرقام التي أعلنها الوزير.

وتتراوح قيمة واردات سبائك السيليكون منغنيز المستخدمة بصورة رئيسية في صناعة الحديد بين 150 و170 مليون دولار سنويًا، رغم توافر خام المنغنيز محليًا.

وفي قطاع الحراريات، التي تستخدم في تبطين الأفران بقطاعات الأسمنت والسيراميك والحديد، تبلغ قيمة الواردات نحو 170 مليون دولار سنويًا، رغم توافر خام الدولوميت في مصر.

وتمنح هذه الأرقام قطاع التعدين بعدًا يتجاوز استخراج الخام، ليصبح أحد مسارات خفض فاتورة الاستيراد من خلال تصنيع المنتجات النهائية أو الوسيطة محليًا.

مصنعان للمنغنيز بشراكة مع شركات عالمية

كشف وزير الصناعة أن الحكومة تعاونت خلال الأشهر الأربعة الماضية مع شركتين من أكبر الشركات العالمية العاملة في مجال المنغنيز، تمهيدًا لإنشاء مصانع لهما في مصر.

وأوضح أن المصانع المرتقبة تستهدف تلبية جانب كبير جدًا من احتياجات السوق المحلية، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويدعم توجه الدولة نحو إحلال المنتجات المصنّعة محليًا محل المنتجات المستوردة.

وتستند الخطة إلى الاستفادة من توافر خام المنغنيز محليًا، بدلًا من الاكتفاء باستيراد السبائك اللازمة للصناعات المعدنية.

الدولوميت يدخل خطة توطين الحراريات

يمتد التحرك الحكومي إلى صناعة الحراريات، التي ترتبط مباشرة بصناعات الأسمنت والسيراميك والحديد.

وتعتمد هذه الصناعة على خام الدولوميت المتوافر في مصر، ما دفع وزارتي الصناعة والبترول والثروة المعدنية إلى بدء تحرك لاستكشاف الخام واستخراجه، بالتوازي مع التعاون مع شركات عالمية تمتلك التكنولوجيا اللازمة للتصنيع.

وتستهدف هذه الخطوة بناء سلسلة قيمة محلية تبدأ من استخراج الخام وتنتهي بإنتاج الحراريات المستخدمة في الصناعات المختلفة، بما يقلص الاحتياج إلى استيراد المنتجات الجاهزة.

الحكومة تحدد أولويات الخامات وفق 4 معايير

تعمل الحكومة على تحديد الخامات التي ستتصدر استراتيجية التصنيع التعدينية وفق مجموعة من المعايير، في مقدمتها حجم الطلب العالمي، والاحتياطي أو التوافر المحلي، وسهولة استخراج الخام، وحجم احتياجات الطاقة اللازمة للاستخراج والتصنيع.

ويعكس هذا النهج توجهًا نحو اختيار الخامات القادرة على تحقيق جدوى اقتصادية في مرحلتي الاستخراج والتصنيع، بدلًا من التوسع في استغلال الموارد المعدنية دون ارتباط واضح بالسوق أو بالصناعة المحلية.

التعدين يستهدف 6% من الناتج المحلي

تسعى مصر إلى رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 6%، مقابل نحو 1% حاليًا، بالتوازي مع تحركات لتوسيع أعمال الاستكشاف وجذب استثمارات أجنبية إلى القطاع.

وأطلقت مصر في مايو الماضي مشروع مسح جوي جيوفيزيائي شامل يغطي 6 مناطق رئيسية، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات رقمية لطرح الفرص التعدينية أمام المستثمرين.

وتستهدف هذه الإجراءات توفير قاعدة أكبر من المعلومات الجيولوجية ودعم جهود الاستكشاف، بما يرفع قدرة القطاع على جذب الاستثمارات وتوسيع نطاق استغلال الثروات المعدنية.

شراكة «الصناعة» و«البترول» لتغيير نموذج التعدين

وصف وزير الصناعة العلاقة بين وزارتي الصناعة والبترول والثروة المعدنية في ملف الصناعات التعدينية بأنها «شراكة وتوأمة»، في إشارة إلى التكامل بين عمليات استخراج الخامات وتصنيعها.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية مع انتقال التركيز الحكومي من مجرد زيادة أعمال التعدين إلى بناء صناعات قائمة على الخامات المحلية، بما يرفع القيمة المضافة ويخلق طلبًا على الإنتاج المحلي.

من استخراج الخام إلى صناعة متكاملة

تضع الاستراتيجية الجديدة هدفًا أبعد من زيادة الإنتاج التعديني، إذ تسعى إلى بناء سلاسل تصنيع مرتبطة بالموارد المتاحة في مصر، بحيث يتحول الخام من مورد أولي إلى مدخل لصناعات ذات قيمة اقتصادية أعلى.

وفي هذا الإطار، تمثل مشروعات المنغنيز والحراريات نماذج أولية للتحرك نحو توطين صناعات تعتمد على خامات متاحة محليًا، بينما تحدد الحكومة أولوياتها وفق احتياجات السوق والقدرة على التصنيع والتكلفة والطاقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن رهان مصر على التعدين لم يعد مرتبطًا بزيادة استخراج الخام فقط، وإنما بقدرة القطاع على إضافة قيمة داخل الاقتصاد وتقليص الواردات وجذب التكنولوجيا والاستثمارات الصناعية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى