الخزانة الأمريكية تضخ 6 مليارات دولار لتهدئة السندات.. والعوائد تواصل الصعود

رفعت وزارة الخزانة الأمريكية سقف عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 6 مليارات دولار، في محاولة لتهدئة سوق الدين، إلا أن العوائد واصلت الارتفاع، في إشارة إلى أن تدخل واشنطن لم ينجح حتى الآن في احتواء الضغوط على سوق السندات.

وصعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 6 نقاط أساس إلى 4.85%، وفق بيانات بلومبرغ، بينما حافظ الذهب على مكاسبه فوق مستوى 4300 دولار للأوقية.

ويأتي تحرك الخزانة الأمريكية وسط مخاوف متزايدة بشأن مستويات الدين والعجز، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض واستمرار الضغوط في أسواق السندات.

الخزانة تضاعف عمليات إعادة شراء السندات

أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت رفع سقف مشتريات الحكومة من السندات طويلة الأجل إلى 6 مليارات دولار، بما يعادل ثلاثة أضعاف المستوى السابق.

وتتمثل عمليات إعادة الشراء في قيام الحكومة بإعادة شراء سندات سبق أن أصدرتها، بهدف دعم سيولة السوق وتحسين آلية التداول، بما قد يساعد على تخفيف الضغوط على أسعار الفائدة التي تتحملها واشنطن عند الاقتراض.

لكن رد فعل السوق جاء معاكسًا للهدف المنشود، إذ ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.85%، رغم زيادة حجم التدخل الحكومي.

ويشير ذلك إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بسيولة سوق السندات، وإنما تمتد إلى المخاوف الأوسع بشأن حجم المعروض من الدين الأمريكي وقدرة السوق على استيعابه.

رون بول يفتح ملف الذهب وفورت نوكس

وفي خضم هذه التطورات، عاد عضو الكونغرس الأمريكي السابق رون بول إلى التشكيك في طريقة محاسبة احتياطيات الذهب الأمريكية، مؤكدًا أن المواطنين، وليس الحكومة، هم من يجب أن يمتلكوا الذهب.

وتقدر دار سك العملة الأمريكية مخزون الذهب في الولايات المتحدة بنحو 147 مليون أونصة، فيما تشير إلى إجراء عمليات تدقيق دورية، فضلًا عن عمليات تفتيش سابقة أجراها أعضاء في الكونغرس.

إلا أن بول يرى أن هذه الإجراءات لا تمثل محاسبة عامة مستقلة ودقيقة لكل سبيكة على حدة، مؤكدًا أن اعتراضه يتعلق بالشفافية والمحاسبة أكثر من ارتباطه بوجود الذهب نفسه.

لماذا لا يزال الذهب مسعّرًا عند 42.22 دولار؟

من أبرز النقاط التي أثارها بول استمرار تقييم وزارة الخزانة الأمريكية للذهب بسعر قانوني يبلغ 42.22 دولارًا للأونصة.

ويعود هذا السعر إلى عام 1973، ولم يطرأ عليه تغيير رغم ارتفاع القيمة السوقية للذهب بأكثر من مئة ضعف منذ ذلك الوقت.

ويرى بول أن الفجوة الهائلة بين السعر القانوني والقيمة السوقية الحالية تعكس طبيعة النظام النقدي الأمريكي، وتطرح تساؤلات بشأن الطريقة التي تُعامل بها الأصول الذهبية داخل الحسابات الرسمية.

هل تتحول إعادة شراء السندات إلى تيسير كمي جديد؟

ولا يقتصر تشكيك بول على الذهب، إذ أبدى مخاوف من أن تتطور عمليات إعادة شراء السندات إلى ما يشبه برنامجًا جديدًا للتيسير الكمي.

وكان الاحتياطي الفيدرالي قد استخدم التيسير الكمي بعد الأزمة المالية العالمية لشراء السندات، عبر خلق أموال جديدة بهدف دعم الأسواق وخفض تكاليف الاقتراض.

ويرى بول أن توسع التدخل في سوق السندات يستدعي التساؤل عن مصدر الأموال وحجم السيولة التي يمكن أن تدخل النظام المالي، خصوصًا إذا استمرت العوائد في الارتفاع رغم تدخل الخزانة.

عرض النقد يعود إلى الواجهة

كما أعاد بول طرح مؤشري عرض النقود M1 وM2 باعتبارهما عاملين مهمين في قراءة التطورات النقدية.

ويرى أن تجاهل نمو عرض النقود باعتباره أداة تحليلية قديمة لا يعني بالضرورة فقدانه أهميته في فهم التضخم وقيمة العملة.

وتعكس هذه الرؤية خلافًا أوسع بشأن الطريقة التي يجب أن تُدار بها السياسة النقدية الأمريكية، خاصة في ظل تداخل التضخم والدين وأسعار الفائدة وقيمة الدولار.

الحكومات تواصل شراء الذهب

وفي المقابل، لا تزال البنوك المركزية العالمية تنظر إلى الذهب باعتباره أحد مكونات الاحتياطيات الاستراتيجية.

ووفق أحدث استطلاع لمجلس الذهب العالمي لمديري الاحتياطيات، يتوقع 89% من المشاركين ارتفاع حيازات البنوك المركزية من الذهب خلال العام المقبل.

كما توقع 45% منهم، وهي نسبة قياسية، زيادة مؤسساتهم الخاصة لحيازاتها من المعدن النفيس.

وتشير هذه التوجهات إلى استمرار الطلب الرسمي على الذهب، حتى مع اختلاف الرؤى بشأن مستقبل النظام النقدي العالمي.

الذهب مقابل السندات والدولار

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، الذي استفاد خلال الفترة الأخيرة من المخاوف بشأن الدين الأمريكي وتراجع الثقة في العملات الورقية.

فارتفاع عوائد السندات يمثل عادة عامل ضغط على الذهب، لأنه يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازة أصل لا يدر عائدًا دوريًا.

لكن المعادلة تتغير عندما يتحول ارتفاع العوائد نفسه إلى مصدر للقلق بشأن الاستدامة المالية للدين الأمريكي.

وفي هذه الحالة، قد يبحث المستثمرون عن أصول بديلة للتحوط من مخاطر تآكل القوة الشرائية للعملة أو اضطرابات أسواق الدين.

النفط والرهن العقاري يضيفان ضغوطًا جديدة

وتتجاوز تداعيات ارتفاع تكاليف الاقتراض سوق السندات إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد الأمريكي.

فقد تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ يوليو، وارتفع بنحو 65% منذ بداية العام، وفق بيانات بلومبرغ.

كما سجل سعر الديزل مستويات قياسية، بينما بلغ معدل فائدة الرهن العقاري لمدة 30 عامًا نحو 6.85%، وفق اتحاد المصرفيين العقاريين.

ويعني ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التمويل أن الضغوط لا تقتصر على المستثمرين في السندات، بل تمتد إلى المستهلكين والشركات وسوق الإسكان.

رون بول: المشكلة في قيمة المال

ويرى بول أن النقاش السياسي حول «القدرة على تحمل التكاليف» لا يعالج جوهر المشكلة من وجهة نظره.

ويعتبر أن السؤال الأهم هو قيمة العملة نفسها، وليس فقط أسعار السلع والخدمات المقومة بالدولار.

وبحسب رؤيته، فإن ارتفاع تكلفة الوقود والتمويل والسلع قد يكون مرتبطًا بصورة أوسع بالسياسة النقدية والمالية، وبالتوسع في الإنفاق والدين.

قصة قديمة بدأت مع التخلي عن الذهب

ويربط بول موقفه الحالي بتجربة شخصية تعود إلى عقود مضت، خصوصًا قرار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عام 1971 بإنهاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب.

ويرى أن تلك الخطوة شكلت نقطة تحول أساسية في النظام النقدي الأمريكي، بعدما أصبح الدولار غير مرتبط مباشرة بالذهب.

كما يستحضر بول تجربة والدته خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تمسكت بامتلاك أرض رأت فيها حماية للقيمة في أوقات الاضطراب.

ومن هذه التجربة، تشكلت لديه قناعة بأن امتلاك أصول ملموسة قد يمثل وسيلة للحفاظ على الثروة عندما تتعرض العملات والأنظمة المالية لضغوط.

هل نحن أمام أزمة ثقة أم أزمة سيولة؟

وتكشف التطورات الحالية عن سؤال أوسع من مجرد ارتفاع عوائد السندات.

فإذا كان تدخل الخزانة الأمريكية لزيادة إعادة شراء السندات لم يمنع ارتفاع العوائد، فإن الأسواق قد تكون أكثر اهتمامًا بمخاطر الدين والتضخم والمعروض من السندات، وليس فقط بآليات التداول والسيولة.

وهنا تبرز أهمية الذهب كأصل تحوطي، خصوصًا في ظل استمرار مشتريات البنوك المركزية وارتفاع المخاوف المرتبطة بالدين الأمريكي.

لكن ذلك لا يعني أن ارتفاع الذهب مضمون؛ فارتفاع العوائد والدولار قد يضغطان على المعدن بقوة إذا استمرت السياسة النقدية في اتجاه أكثر تشددًا.

وتبقى المعادلة الأساسية أمام الأسواق هي ما إذا كانت واشنطن قادرة على تهدئة سوق السندات دون زيادة الضغوط التضخمية أو خلق شكوك جديدة بشأن السياسة المالية والنقدية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى