الدولار يتلقى ضربة مزدوجة.. الخزانة تخفض عوائد السندات والفيدرالي يلوّح برفع الفائدة

شهد الدولار الأمريكي هبوطًا حادًا بنسبة 0.9% إلى 98.80 يوم الأربعاء، مسجلًا أدنى مستوياته منذ 14 مايو، رغم كشف محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يوليو عن قلق واضح لدى عدد من صانعي السياسة بشأن التضخم وإمكانية الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة إذا لم تنخفض ضغوط الأسعار.
وجاء تراجع العملة الأمريكية بالتزامن مع انخفاض عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، في خطوة منحت سوق الدخل الثابت متنفسًا بعد موجة بيع قوية دفعت عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى منذ عام 2007.
الدولار يهبط رغم نبرة الفيدرالي المتشددة
كشف محضر اجتماع يوليو أن معظم أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أيدوا الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، لكن عددًا من صانعي السياسة رأوا أن رفع الفائدة قد يكون ضروريًا إذا لم يستمر التضخم في التراجع.
وكان الفيدرالي قد أبقى سعر الفائدة الرئيسي في نطاق 3.50% إلى 3.75% خلال اجتماع يوليو، بينما عارض ثلاثة أعضاء القرار وصوتوا لصالح رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
وتكشف هذه المعطيات عن انقسام واضح داخل الفيدرالي، خصوصًا مع استمرار المخاوف بشأن التضخم، في الوقت الذي بدأت فيه البيانات الاقتصادية الأخيرة تشير إلى ضعف نسبي في النشاط وسوق العمل.
لكن الأسواق لم تتعامل مع المحضر باعتباره العامل الوحيد المحدد لمسار الدولار.
الخزانة الأمريكية تتدخل لإنقاذ سوق السندات
كان التحرك الأبرز في الأسواق إعلان وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستزيد عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وبداية من 9 سبتمبر، سترفع الوزارة حجم عمليات إعادة شراء السندات ذات الآجال الطويلة من 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار لكل عملية، في قطاعي 10 إلى 20 عامًا و20 إلى 30 عامًا.
واستقبل المستثمرون الخطوة باعتبارها دعمًا للسيولة في سوق السندات، ما دفعهم إلى زيادة مشتريات السندات طويلة الأجل.
ونتيجة لذلك، تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا بنحو 7.2 نقطة أساس إلى 5.213%، بعد أن سجل في اليوم السابق 5.337%، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو 2007.
تراجع العوائد يضغط على الدولار
أدى انخفاض عوائد السندات الأمريكية إلى تغيير نسبي في معادلة سوق العملات.
فارتفاع العوائد عادة ما يزيد جاذبية الأصول المقومة بالدولار، بينما يؤدي تراجعها إلى تقليص الميزة النسبية التي يتمتع بها الدولار أمام العملات الرئيسية.
ومن هنا جاء التراجع القوي للعملة الأمريكية، رغم أن محضر الفيدرالي حمل إشارات متشددة بشأن التضخم.
وتكشف هذه الحركة أن سوق العملات في الوقت الراهن لا تسعّر أسعار الفائدة فقط، بل تراقب أيضًا علاوة الأجل، وحجم إصدارات الديون، والسيولة في سوق الخزانة الأمريكية.
سندات الخزانة تواجه ضغوطًا من ديون الذكاء الاصطناعي
شهدت السندات طويلة الأجل موجة بيع قوية منذ اجتماع الفيدرالي في يوليو، وسط مجموعة من العوامل المتداخلة.
وتشمل هذه العوامل ارتفاع أسعار النفط، ومخاوف التضخم، وكثافة إصدارات الديون الحكومية، إضافة إلى حاجة شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تمويل ضخم لمشروعات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتنافس هذه الإصدارات على رأس المال المتاح في الأسواق، بما يرفع الضغوط على أسعار السندات طويلة الأجل ويدفع عوائدها إلى الارتفاع.
لكن إعلان الخزانة عن زيادة عمليات إعادة الشراء أعاد بعض التوازن إلى السوق.
اليورو والين يستفيدان من تراجع الدولار
انعكس ضعف الدولار سريعًا على العملات الرئيسية.
فقد ارتفع اليورو 0.8% إلى 1.1674 دولار، مسجلًا أعلى مستوى له منذ 14 مايو، بينما صعد الجنيه الإسترليني 0.6% إلى 1.3606 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 11 مايو.
كما استفاد الين الياباني من تراجع الدولار، إذ انخفض سعر الدولار مقابل الين 0.9% إلى 158.21 ين.
أما الوون الكوري الجنوبي، فسجل أداءً أقوى، مع انخفاض الدولار مقابل العملة الكورية بنحو 1.7% إلى 1389.02 وون.
وفي الهند، توقف مسار تراجع الروبية، وانخفض الدولار مقابلها بنسبة 0.1% إلى 95.568 روبية.
التضخم يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة
ورغم تراجع الدولار، لا يعني ذلك أن خطر رفع الفائدة الأمريكية اختفى.
فمحضر الفيدرالي أظهر أن مخاطر التضخم ما زالت تميل إلى الجانب الصعودي، وأن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يمكن أن يضغط على سلاسل الإمداد ويرفع تكاليف الطاقة.
ويشكل النفط تحديدًا نقطة حساسة في المعادلة.
فارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعيد إشعال التضخم، وهو ما قد يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو حتى إعادة التفكير في خيار رفعها إذا أصبحت ضغوط الأسعار أكثر استمرارًا.
السوق أمام اختبار جديد للدولار
وتشير تحركات الأربعاء إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية في التعامل مع الدولار.
فمن ناحية، يمنح احتمال استمرار التضخم الفيدرالي مبررًا للتشدد النقدي.
ومن ناحية أخرى، فإن انخفاض عوائد السندات بعد تدخل الخزانة يقلل الدعم الذي يحصل عليه الدولار من سوق الدخل الثابت.
وهذه المفارقة تجعل مسار العملة الأمريكية خلال الفترة المقبلة مرتبطًا بثلاثة متغيرات رئيسية: التضخم، وعوائد السندات، وأسعار الطاقة.
وفي حال استمرت عوائد الخزانة في التراجع بالتزامن مع استمرار ضعف البيانات الاقتصادية، فقد يواجه الدولار مزيدًا من الضغوط، خصوصًا أمام اليورو والين والوون الكوري.
أما إذا عادت أسعار النفط إلى الارتفاع بقوة، وظهرت بيانات تضخم أكثر سخونة، فقد يستعيد الفيدرالي لهجته المتشددة، وهو ما قد يعيد جزءًا من الدعم إلى الدولار.









