الذهب يتجاوز سندات الخزانة الأمريكية بـ4 تريليونات دولار.. والفيدرالي يرد

دخل الذهب مرحلة جديدة في سباق أصول الاحتياطيات العالمية، بعدما أظهرت بيانات عام 2025 أن قيمة احتياطيات الذهب الرسمية حول العالم، باستثناء حيازات الولايات المتحدة، بلغت نحو 4 تريليونات دولار، متجاوزة قيمة حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية البالغة نحو 3.9 تريليون دولار.
لكن المفاجأة أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يرى أن هذا التفوق لا يعني أن الذهب أصبح فجأة «الأصل الاحتياطي المفضل» عالميًا، محذرًا من أن مقارنة قيمة الذهب بحيازات سندات الخزانة قد تعطي انطباعًا أكبر من حجم التحول الحقيقي.
ومع ذلك، فإن الرقم يظل مهمًا؛ لأنه يأتي بالتزامن مع استمرار البنوك المركزية في زيادة حيازاتها من الذهب، وارتفاع قناعة مديري الاحتياطيات بالدور الاستراتيجي للمعدن النفيس في مواجهة المخاطر الجيوسياسية والتضخمية والمالية.
4 تريليونات دولار للذهب مقابل 3.9 تريليون للسندات
كشف تحليل حديث للاحتياطي الفيدرالي أن قيمة احتياطيات الذهب العالمية بلغت نحو 5.1 تريليون دولار بنهاية 2025، فيما بلغت قيمة احتياطيات الذهب باستثناء الولايات المتحدة نحو 4 تريليونات دولار.
وفي المقابل، بلغت حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية نحو 3.9 تريليون دولار في نهاية العام نفسه.
وهكذا تجاوزت قيمة الذهب، حتى بعد استبعاد الاحتياطيات الأمريكية، قيمة السندات الأمريكية التي تحتفظ بها الجهات الرسمية الأجنبية.
لكن الاحتياطي الفيدرالي يؤكد أن هذه المقارنة تحتاج إلى قراءة أكثر دقة، لأن ارتفاع قيمة الذهب خلال السنوات الأخيرة ارتبط بدرجة كبيرة بارتفاع سعر المعدن نفسه، وليس فقط بزيادة الكميات التي اشترتها البنوك المركزية.
كما أن جزءًا كبيرًا من احتياطيات الذهب العالمية تراكم قبل عقود، خصوصًا خلال حقبة نظام بريتون وودز، ولم يكن نتيجة موجة الشراء الحالية.
الفيدرالي: الذهب لم ينتزع عرش سندات الخزانة
ويرى الاحتياطي الفيدرالي أن وصف الذهب بأنه تجاوز سندات الخزانة باعتباره «الأصل الاحتياطي المفضل عالميًا» يتجاهل عدة عوامل.
فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمتلك أكبر احتياطي ذهبي رسمي في العالم، بينما لا تدخل حيازاتها من سندات الخزانة ضمن حيازات الاحتياطيات الأجنبية الرسمية التي تستخدم في المقارنة.
وباستبعاد الذهب الأمريكي، يصبح حجم الذهب المقارن بحيازات المؤسسات الأجنبية من سندات الخزانة مختلفًا بصورة كبيرة.
والأهم أن الاحتياطي الفيدرالي أشار إلى أن حيازات سندات الخزانة الأمريكية لدى الجهات الرسمية الأجنبية عادت، بحلول يونيو 2026، إلى تجاوز قيمة احتياطيات الذهب العالمية باستثناء الولايات المتحدة، بعدما كان الذهب قد تقدم عليها بنهاية 2025.
وبالتالي، فإن ما حدث لا يمثل تحولًا نهائيًا من السندات الأمريكية إلى الذهب، وإنما يعكس في جانب كبير منه إعادة تقييم لقيمة الذهب نتيجة صعود أسعاره.
لماذا يظل صعود الذهب مهمًا؟
رغم التحفظات التي طرحها الاحتياطي الفيدرالي، فإن صعود الذهب إلى هذه المكانة لا يمكن اعتباره مجرد نتيجة حسابية لارتفاع الأسعار.
فالبنوك المركزية نفسها تواصل التعامل مع الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا ضمن إدارة الاحتياطيات.
وأظهر مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أن البنوك المركزية راكمت في المتوسط نحو 1000 طن من الذهب سنويًا خلال السنوات الأربع الماضية، مقابل متوسط بلغ نحو 500 طن خلال العقد السابق.
ويعكس ذلك تسارعًا واضحًا في الطلب الرسمي على المعدن النفيس، خاصة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن التضخم وأسعار الفائدة والسياسات الاقتصادية.
45% من البنوك المركزية تعتزم زيادة حيازاتها
وأظهر المسح أن 45% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، وهي أعلى نسبة يسجلها المسح منذ انطلاقه.
كما توقع 89% من المشاركين ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال العام المقبل.
وتكشف هذه الأرقام أن الطلب الرسمي على الذهب لا يعتمد فقط على حركة الأسعار الحالية، بل يرتبط برؤية طويلة الأجل لدور المعدن في تنويع الاحتياطيات وتقليل المخاطر.
تراجع الدولار في حسابات مديري الاحتياطيات
وتزداد أهمية هذه النتائج مع النظرة المستقبلية لحصة الدولار الأمريكي داخل الاحتياطيات العالمية.
فقد أظهر مسح مجلس الذهب العالمي أن 74% من المشاركين يتوقعون انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وفي المقابل، يرى 84% أن الذهب سيشكل حصة أكبر من الاحتياطيات العالمية خلال الفترة نفسها.
وهذه التوقعات لا تعني بالضرورة أن البنوك المركزية تستعد للتخلي عن الدولار، وإنما تشير إلى رغبة متزايدة في تنويع مكونات الاحتياطيات وعدم الاعتماد على أصل أو عملة واحدة بصورة مفرطة.
الذهب لا يستعد لإزاحة الدولار
وهنا تكمن النقطة التي يجب عدم تجاوزها ، لا توجد مؤشرات على أن الذهب يستعد لإزاحة الدولار الأمريكي كعملة الاحتياطيات الرئيسية في العالم، كما أن سندات الخزانة الأمريكية لم تفقد أهميتها.
ولا تزال سوق الخزانة الأمريكية من أعمق وأكثر أسواق الأصول المالية سيولة في العالم، وهو عامل أساسي بالنسبة للبنوك المركزية ومديري الاحتياطيات.
لكن التغير الحقيقي يكمن في أن الذهب أصبح يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره أصلًا نقديًا استراتيجيًا يمكن أن يعمل إلى جانب الدولار وسندات الخزانة، وفي بعض الحالات كبديل جزئي لهما.
مشتريات الخزانة الأمريكية تفتح سؤالًا آخر
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع قرار وزارة الخزانة الأمريكية زيادة أحجام عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل.
وأعلنت الوزارة أن الحد الأقصى لحجم عملية إعادة شراء بعض السندات طويلة الأجل سيرتفع من 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، اعتبارًا من 9 سبتمبر 2026، بهدف توفير دعم للسيولة في قطاعات الاستحقاقات الطويلة.
ولا يعني هذا القرار أن الخزانة الأمريكية تستهدف التحكم المباشر في منحنى العائد، لكن توقيته يلفت الانتباه إلى أهمية السيولة والطلب على السندات طويلة الأجل في السوق الأمريكية.
وفي ظل ارتفاع تكلفة التمويل وتصاعد المخاوف المرتبطة بالدين الأمريكي، أصبحت تحركات سوق السندات جزءًا أساسيًا من تفسير اتجاه المستثمرين نحو الذهب.
الذهب بين ارتفاع السعر وتغير السلوك النقدي
ويقدم تحليل الاحتياطي الفيدرالي نقطة مهمة: ارتفاع قيمة الذهب لا يساوي بالضرورة تحولًا مماثلًا في الكميات التي تمتلكها البنوك المركزية.
لكن هذه الملاحظة لا تلغي التغير في سلوك مديري الاحتياطيات ،فاستمرار شراء الذهب بمعدلات مرتفعة، إلى جانب توقعات زيادة الحيازات خلال السنوات المقبلة، يشير إلى أن المعدن لم يعد مجرد احتياطي تاريخي موروث من حقبة بريتون وودز.
بل أصبح أداة لتنويع المخاطر، والتحوط من الأزمات، والحفاظ على القيمة في بيئة تتسم بتقلبات التضخم وأسعار الفائدة والسياسة والجغرافيا السياسية.
الذهب يربح المعركة الرمزية.. وليس الحرب بعد
وبذلك يمكن قراءة تجاوز قيمة الذهب لاحتياطيات سندات الخزانة الأمريكية في نهاية 2025 باعتباره علامة رمزية قوية على تغير خريطة الاحتياطيات العالمية، وليس إعلانًا عن نهاية عصر الدولار.
فالذهب لم يحل محل السندات الأمريكية، لكن البنوك المركزية أعادت اكتشافه باعتباره أصلًا نقديًا قابلًا للاعتماد عليه في أوقات الأزمات.
واللافت أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه، رغم محاولته تفكيك دلالة المقارنة، أقر بالرقم الأساسي: 4 تريليونات دولار من احتياطيات الذهب خارج الولايات المتحدة مقابل 3.9 تريليون دولار من حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية لسندات الخزانة بنهاية 2025.
وهنا تكمن القصة الحقيقية ، ليس السؤال ما إذا كان الذهب سيطيح بالدولار، وإنما لماذا أصبحت البنوك المركزية مستعدة لمنح الذهب وزنًا أكبر داخل احتياطياتها، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن التضخم والدين الأمريكي والمخاطر الجيوسياسية.









