الذهب يقترب من 4500 دولار.. سوسيتيه جنرال تكشف لماذا عادت للسوق

يختبر الذهب مجددًا مستوى 4500 دولار للأوقية، في وقت ترى فيه مجموعة «سوسيتيه جنرال» أن المعدن النفيس استعاد جاذبيته الاستثمارية بعد التصحيح الحاد الذي تعرض له خلال الربيع وأوائل الصيف، مؤكدة أن مخاطر هبوط الأسعار أصبحت محدودة بصورة متزايدة، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار الأمريكي.
وقال محللو «سوسيتيه جنرال» في أحدث تقاريرهم إن البنك، بعد خفض مراكزه في الذهب خلال النصف الأول من العام، يرى أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة للعودة إلى السوق، مع تحسن مؤشرات التداول وتراجع التقلبات وعودة التفاؤل بين المستثمرين.
الذهب يعود إلى منطقة 4500 دولار
شهد الذهب خلال الفترة الأخيرة تعافيًا أعاده إلى الاقتراب من مستوى 4500 دولار للأوقية، بعد موجة تصحيح قوية ارتبطت بتصاعد المخاوف بشأن أسعار الفائدة الأمريكية وتداعيات الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني.
وترى «سوسيتيه جنرال» أن حركة الذهب الحالية تختلف عن موجات الصعود السابقة، إذ بدأت السوق تستوعب جانبًا كبيرًا من إعادة التسعير المتشددة لمسار السياسة النقدية الأمريكية.
وبحسب البنك، فإن ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار يظلان من أبرز التحديات أمام الذهب، لكن جزءًا كبيرًا من هذا الضغط أصبح محسوبًا بالفعل في أسعار الأصول المالية.
سوسيتيه جنرال تعود إلى الذهب
وتغير موقف البنك الفرنسي من الذهب بعد أن خفض مراكزه خلال النصف الأول من العام.
ويرى المحللون أن المعدن أصبح أكثر جاذبية من زاوية المخاطر والعائد، خاصة مع عودة التقلبات إلى مستويات أكثر طبيعية، واستعادة النشاط المضاربي لقوته، إلى جانب تراجع نسبة خيارات البيع إلى الشراء لصندوق الذهب المتداول إلى أدنى مستوى لها في ستة أشهر.
وتعكس هذه المؤشرات، وفق البنك، تجدد الثقة في الذهب بعد فترة التصحيح التي شهدتها الأسواق.
لكن الأهم أن «سوسيتيه جنرال» لا تبني رؤيتها الصعودية على المضاربات قصيرة الأجل فقط، وإنما تستند إلى عوامل هيكلية يرى البنك أنها أصبحت أكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه الذهب.
البنوك المركزية تضع أرضية جديدة للذهب
أكدت «سوسيتيه جنرال» أنها لا تزال متفائلة استراتيجيًا بشأن الذهب، باعتباره أداة تحوط مهمة أمام المخاطر النقدية والسياسية.
ويرى البنك أن سوق الذهب شهد تحولًا هيكليًا منذ عام 2022، إذ حافظ المعدن على مستويات مرتفعة رغم استمرار العوائد الحقيقية الإيجابية، وهو أمر يتجاوز العلاقة التقليدية بين الذهب وأسعار الفائدة.
ويعزو البنك هذا التحول إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار مشتريات البنوك المركزية، واتجاه بعض الاقتصادات إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، إلى جانب التوترات الجيوسياسية ومخاوف الديون السيادية.
وبذلك، أصبحت هذه العوامل بمثابة أرضية جديدة لأسعار الذهب، تحد من تأثير ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية على المعدن.
الصين ومشتريات البنوك المركزية
وتكتسب مشتريات البنوك المركزية أهمية خاصة في رؤية «سوسيتيه جنرال».
وتواصل الصين زيادة احتياطياتها من الذهب، بينما يمثل تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول التقليدية اتجاهًا هيكليًا لدى عدد من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة.
ويرى البنك أن هذا التحول يغير طبيعة الطلب على الذهب، إذ لم يعد صعود المعدن يعتمد بصورة أساسية على المضاربين أو تدفقات المستثمرين قصيرة الأجل.
وقال محللو «سوسيتيه جنرال» إن استمرار قوة الطلب الرسمي، بالتزامن مع تراجع الطلب المضاربي، يجعل البنوك المركزية بصورة متزايدة الركيزة الأساسية لسوق الذهب.
لماذا أصبحت مخاطر هبوط الذهب محدودة؟
تستند «سوسيتيه جنرال» إلى عامل رئيسي في تقييمها الحالي، وهو أن الأسواق المالية استوعبت بالفعل قدرًا كبيرًا من التحول نحو سياسة نقدية أكثر تشددًا.
فمنذ منتصف العام الماضي، انتقلت الأسواق من تسعير مزيد من التيسير النقدي إلى مناقشة احتمالات رفع أسعار الفائدة مرة أو مرتين إضافيتين.
وأدى ذلك إلى صعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين فوق مستوى 4%، كما قدم دعمًا للدولار.
لكن البنك يرى أن حدوث موجة هبوط كبيرة جديدة في الذهب يحتاج إلى صدمة تضخمية أكبر بكثير، مصحوبة باستجابة أكثر حدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبالتالي، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لم يعد كافيًا وحده، من وجهة نظر البنك، لإحداث تصحيح قوي مماثل للموجة السابقة.
الفائدة الأمريكية تظل الخطر الأكبر
رغم التفاؤل، لا تتجاهل «سوسيتيه جنرال» المخاطر التي تواجه الذهب.
ويظل احتمال اضطرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا أحد أبرز العوامل التي قد تحد من صعود المعدن.
وتعززت هذه المخاوف بعد تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في الندوة السنوية للبنك المركزي في جاكسون هول، والتي أكد خلالها التزام صناع السياسة بإعادة التضخم بصورة مستدامة إلى مستهدف البنك البالغ 2%.
لكن خبراء الاقتصاد في «سوسيتيه جنرال» يتوقعون، في السيناريو الأساسي، بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى عام 2027، مع الإقرار بإمكانية تنفيذ زيادة واحدة خلال العام الحالي إذا استمرت الضغوط التضخمية.
ويرى البنك أن سبتمبر أو ديسمبر يمثلان التوقيت الأكثر ترجيحًا لأي زيادة محتملة، مقارنة بأكتوبر.
التضخم قد يصبح وقودًا جديدًا للذهب
ولا ترى «سوسيتيه جنرال» أن استمرار التضخم يمثل خطرًا على الذهب فقط، بل يمكن أن يتحول أيضًا إلى عامل داعم له على المدى المتوسط.
ويشير البنك إلى أن موجة جديدة من التعريفات الأمريكية، وتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، وتقلب أسعار الطاقة، واستمرار العجز المالي الكبير في الاقتصادات المتقدمة، كلها عوامل قد تؤدي إلى بيئة تضخمية أكثر قوة مما تتوقعه الأسواق حاليًا.
وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فالتضخم المرتفع قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى التشدد، وهو ما يضغط على الذهب في الأجل القصير، لكنه في الوقت نفسه يعزز الحاجة إلى أصول للتحوط من تآكل القوة الشرائية على المدى الأطول.
صناديق الذهب تعود إلى المشهد
وإلى جانب مشتريات البنوك المركزية، ترى «سوسيتيه جنرال» أن الطلب الاستثماري لا يزال يمثل عنصر دعم مهمًا للسوق.
وعلى الرغم من انخفاض تدفقات الأموال إلى صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب خلال العام، فإن التدفقات لا تزال إيجابية.
ويعتقد البنك أن تراجع التقلبات يمكن أن يزيد جاذبية الذهب لدى مديري الاحتياطيات والمستثمرين طويلي الأجل، بدلًا من اقتصار الاهتمام به على المضاربين الباحثين عن مكاسب سريعة.
ماذا يعني ذلك لسعر الذهب؟
تشير رؤية «سوسيتيه جنرال» إلى أن الذهب دخل مرحلة جديدة بعد التصحيح الأخير.
فالعوامل التي ضغطت على المعدن، وفي مقدمتها ارتفاع الفائدة وقوة الدولار، أصبحت معروفة ومُسعرة بدرجة أكبر، بينما تواصل عوامل أخرى بناء أرضية داعمة للأسعار، مثل مشتريات البنوك المركزية ومخاوف الديون السيادية والتوترات الجيوسياسية واحتمالات عودة الضغوط التضخمية.
ومن ثم، فإن اختبار مستوى 4500 دولار للأوقية لا يمثل مجرد مقاومة فنية، وإنما اختبار لقدرة الذهب على استعادة الاتجاه الصعودي بعد التصحيح.
وإذا استمرت مشتريات البنوك المركزية، ولم تظهر صدمة تضخمية تجبر الاحتياطي الفيدرالي على تشديد أقوى بكثير من المتوقع، فإن مساحة الهبوط قد تصبح أكثر محدودية، بينما تظل أي عودة قوية للذهب مرتبطة بقدرة المعدن على تجاوز مستويات المقاومة الرئيسية واستعادة تدفقات الاستثمار.









