البنوك تخسر معركة الذكاء الاصطناعي.. جيه بي مورغان يتصدر بـ28.4% من الاستشهادات

دخلت البنوك الأمريكية مرحلة جديدة من المنافسة لا تدور داخل الفروع أو تطبيقات الهاتف فقط، وإنما داخل إجابات منصات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت نقطة انطلاق متزايدة للمستهلكين عند البحث عن الحسابات والقروض وبطاقات الائتمان والخدمات المصرفية.
وكشف مؤشر «رؤية الذكاء الاصطناعي» الصادر عن شركة 5WPR أن جيه بي مورغان تشيس يستحوذ على 28.4% من حصة الاستشهادات المتعلقة بالخدمات المصرفية للمستهلكين في الولايات المتحدة، متفوقًا بفارق كبير على بنك أوف أمريكا وويلز فارجو وسيتي وكابيتال وان.
وفي المقابل، تكشف البيانات عن فجوة أوسع في القطاع المصرفي؛ إذ لا تتجاوز حصة النطاقات المملوكة للبنوك 7% من الاستشهادات المتعلقة بالقطاع، بينما تستحوذ ثلاثة مواقع هي Bankrate وInvestopedia وWikipedia على نحو 68% من إجمالي الاستشهادات المصرفية التي تظهر في إجابات الذكاء الاصطناعي.
جيه بي مورغان يتصدر سباق الظهور أمام الذكاء الاصطناعي
تُظهر نتائج المؤشر أن جيه بي مورغان تشيس نجح في بناء حضور أقوى داخل إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بمعظم منافسيه.
وتصل حصة البنك إلى 28.4% في إجابات الأسئلة الاستهلاكية الفعلية، مثل «أفضل بنك قريب مني» أو «أفضل بنك في ولاية معينة».
وتتجاوز حصة جيه بي مورغان مجتمعة حصص بنك أوف أمريكا البالغة 7.1%، وويلز فارجو 5.9%، وسيتي 4.8%، وكابيتال وان 4.2%.
لكن الصدارة لا تعني أن البنك يسيطر على المشهد بالكامل؛ إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن ظهور جيه بي مورغان في الإجابات المباشرة يختلف من ولاية إلى أخرى، وأن المنافسة على الظهور لا تزال في بدايتها.
البنوك تواجه منافسة من مواقع المقارنة
تكشف الأرقام عن مشكلة جوهرية بالنسبة للمؤسسات المصرفية الكبرى، فعندما يسأل المستهلك منصة ذكاء اصطناعي عن أفضل بنك أو أفضل بطاقة ائتمان أو أفضل منتج تمويلي، فإن الإجابة لا تعتمد بالضرورة على شهرة البنك أو عدد فروعه.
بل تبحث أنظمة الذكاء الاصطناعي عن مصادر تقدم معلومات منظمة وقابلة للمقارنة ويمكن الاستناد إليها في بناء الإجابة.
وهنا تتقدم مواقع مثل Bankrate وInvestopedia وWikipedia، التي توفر كميات كبيرة من المعلومات المقارنة والتصنيفات والتحديثات المتعلقة بالمنتجات المالية.
وبحسب الدراسة، تمثل هذه المواقع الثلاثة نحو 68% من الاستشهادات المتعلقة بالخدمات المصرفية، وهو ما يكشف حجم الفجوة بين المحتوى الذي تنتجه البنوك والمحتوى الذي تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الوصول إليه والاستناد إليه.
لماذا يتفوق المحتوى الخارجي على البنوك؟
تكمن المشكلة في طبيعة المحتوى المصرفي نفسه ، فمواقع البنوك تميل إلى تقديم المنتجات والخدمات من منظور تسويقي، بينما يبحث الذكاء الاصطناعي عن إجابات مباشرة عن أسئلة المستخدم.
فعندما يقول البنك إن لديه «حلولًا مالية مبتكرة»، فإن هذه العبارة لا تقدم للذكاء الاصطناعي معلومة محددة يمكن استخدامها بسهولة.
أما عندما يوضح البنك قيمة الفائدة، والحد الأدنى للرصيد، والرسوم، وشروط الحصول على المنتج، وساعات خدمة العملاء، والمزايا والقيود، فإن المعلومات تصبح أكثر قابلية للفهم والمقارنة والاستشهاد.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاع المعلومات من مصادر متعددة قبل صياغة الإجابة النهائية.
البنوك الإقليمية أمام فجوة اكتشاف خطيرة
وتبدو المشكلة أكثر حدة بالنسبة للبنوك الإقليمية الأمريكية ، فبحسب مؤشر 5WPR، لم تتجاوز نسبة الاستشهاد بـ22 بنكًا من أكبر 75 بنكًا أمريكيًا مستوى 0.3%.
وتظهر أسماء كبيرة مثل Fifth Third وKeyBank وM&T وHuntington وRegions بصورة محدودة للغاية داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، رغم امتلاك هذه المؤسسات شبكات فروع وقواعد عملاء وودائع ضخمة.
وفي المقابل، استطاعت شركات التكنولوجيا المالية مثل Chime وSoFi وAlly وDiscover تحقيق حضور أقوى في إجابات الذكاء الاصطناعي مقارنة ببعض البنوك الإقليمية الكبرى ، وهنا تكمن المفارقة: الحجم المصرفي لم يعد ضمانًا للظهور الرقمي.
الذكاء الاصطناعي يغير مفهوم قوة العلامة المصرفية
لطالما اعتمدت البنوك الكبرى على قوة العلامة التجارية وشبكات الفروع والإنفاق الإعلاني للوصول إلى العملاء.
لكن الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى المنافسة ، فالمستهلك قد يدخل إلى ChatGPT أو Gemini أو Claude أو Perplexity، ويطلب منه ترشيح بنك أو مقارنة حسابات، ثم يتخذ قراره بناءً على الإجابة التي يحصل عليها.
وبذلك تنتقل نقطة البداية من البحث التقليدي إلى «البحث الحواري»، حيث لا يبحث العميل عن عشرات النتائج، وإنما يحصل على إجابة مركبة من النظام.
ومن ثم، فإن البنك الذي لا يظهر في هذه الإجابة قد يخسر فرصة الوصول إلى العميل قبل أن تبدأ المقارنة أصلًا.
19% من الأمريكيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في المشورة المالية
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات المالية.
وأظهر استطلاع نشره بنك ويلز فارجو بالتعاون مع جمعية المصرفيين الأمريكيين في أبريل 2026 أن 19% من البالغين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على مشورة مالية، وترتفع النسبة إلى 38% بين جيل زد.
كما أفاد ثلثا المشاركين الذين استخدموا مقترحات مالية من الذكاء الاصطناعي بأنهم تعاملوا مع تلك التوصيات باعتبارها مربحة أو مفيدة.
ولا تعني هذه النسب أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلًا عن المستشار المالي أو البنك، لكنها تؤكد أن دوره في تشكيل القرار المالي للمستهلك يتزايد بسرعة.
البنوك أمام تحدي التنظيم والامتثال
لا تستطيع البنوك ببساطة تقليد مواقع المقارنة المالية ، فالقطاع المصرفي يخضع لمتطلبات تنظيمية وامتثالية تجعل صياغة المعلومات العامة أكثر حساسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الائتمانية والاستثمارية والخدمات المالية.
وقد يؤدي ذلك إلى اعتماد لغة أكثر تحفظًا وتقنية، بينما تتمتع المواقع المتخصصة بحرية أكبر في المقارنة بين المنتجات وتقديم قوائم «الأفضل» و«الأسوأ».
لكن هذا لا يعفي البنوك من تطوير محتواها ، فالمطلوب ليس التخلي عن قواعد الامتثال، وإنما تحويل المعلومات المسموح بنشرها إلى محتوى واضح ومنظم وقابل للفهم والاسترجاع.
المعركة المقبلة على البيانات وليس الإعلانات
المنافسة الجديدة لا تتعلق فقط بتحسين ترتيب موقع البنك في محركات البحث التقليدية.
بل تتعلق بمدى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم البنك ومنتجاته وخدماته والاستشهاد بمعلوماته باعتباره مصدرًا موثوقًا.
وهذا يتطلب من البنوك الاستثمار في صفحات المنتجات، والأسئلة الشائعة، والبيانات المنظمة، والمحتوى التعليمي، والتحديث المستمر للمعلومات، إلى جانب بناء حضور إعلامي ومعلوماتي خارج الموقع الرسمي.
فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمعرفة اسم البنك؛ وإنما يحتاج إلى مصادر يمكنه استخدامها للإجابة عن سؤال محدد.
هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى قناة مصرفية جديدة؟
إذا استمر اعتماد المستهلكين على أدوات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات المالية، فإن ظهور البنك داخل الإجابات قد يتحول تدريجيًا إلى قناة اكتساب عملاء جديدة.
لكن من الخطأ اعتبار عدد الاستشهادات مؤشرًا مباشرًا على حجم المبيعات أو فتح الحسابات.
فشركة 5WPR نفسها تؤكد أن المؤشر يقيس «المدخلات» وليس المبيعات، كما أن منصات الذكاء الاصطناعي لا تنشر بيانات كافية تسمح بربط الاستشهادات مباشرة بسلوك العملاء.
ومع ذلك، فإن تجاهل الظاهرة قد يكون أكثر خطورة من محدودية البيانات.
البنوك الإقليمية مطالبة بالتحرك قبل فوات الأوان
الرسالة الأهم من التقرير لا تخص جيه بي مورغان وحده، وإنما تخص البنوك التي لا تظهر تقريبًا في إجابات الذكاء الاصطناعي.
فامتلاك شبكة فروع واسعة أو ميزانية ضخمة أو قاعدة ودائع كبيرة لا يضمن أن يرشحك الذكاء الاصطناعي للعميل.
وفي عصر البحث الحواري، أصبحت «قابلية الاكتشاف» أصلًا رقميًا جديدًا.
ومن هنا، فإن البنوك التي تتحرك مبكرًا لتطوير محتوى موثوق ومنظم وقابل للقراءة آليًا يمكنها بناء أفضلية تنافسية قبل أن تتحول إجابات الذكاء الاصطناعي إلى نقطة حاسمة في اختيار البنك.









