سبيس إكس في مأزق الذكاء الاصطناعي.. استقالات قيادية تهدد مراكز البيانات وعقود المليارات

تواجه شركة سبيس إكس اختبارًا جديدًا في سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بعدما تولى مايكل نيكولز، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة، الإشراف على البنية التحتية لمراكز البيانات، عقب سلسلة من رحيل قيادات بارزة في هذا النشاط.

وتكتسب التطورات أهمية خاصة مع اعتماد الشركة على مراكز البيانات لتلبية عقود ضخمة مع شركات الذكاء الاصطناعي، في مقدمتها جوجل وأنثروبيك، بينما تحاول في الوقت نفسه تسريع بناء قدراتها الحاسوبية وخفض تكلفة إنشاء وتشغيل البنية التحتية.

استقالات قيادية تضع مراكز بيانات سبيس إكس تحت الاختبار

جاء انتقال نيكولز إلى الإشراف على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في وقت شهد فيه هذا النشاط خروج عدد من المسؤولين التنفيذيين، ما دفع الشركة إلى إعادة توزيع كوادرها بين برامج الصواريخ وستارلينك ومراكز البيانات.

وتشير هذه التحركات إلى أن التحدي الذي تواجهه سبيس إكس لم يعد يتعلق فقط ببناء قدرة حاسوبية ضخمة، وإنما بقدرتها على تشغيل هذه المنظومة بدرجة استقرار تتناسب مع التزاماتها أمام عملاء كبار.

وتزداد حساسية المسألة لأن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية تعمل باستمرارية عالية، وأي انقطاع في الكهرباء أو أنظمة التبريد يمكن أن يؤدي إلى تعطيل عمليات الحوسبة وإبطاء عمليات التدريب.

مراكز بيانات بتكلفة أقل.. ولكن على حساب الاستقرار؟

تبنت سبيس إكس نهجًا يقوم على سرعة بناء مراكز البيانات وخفض التكلفة مقارنة بالمشروعات التقليدية.

وكانت الشركة قد تحدثت عن قدرتها على تشغيل قدرات حاسوبية بتكلفة أقل بكثير من المعتاد في الصناعة، لكن تقارير إعلامية أثارت تساؤلات حول بعض التنازلات التي صاحبت سرعة التنفيذ، ومنها الاعتماد على معدات مؤقتة للطاقة والتبريد في بعض المواقع.

وتشير التقارير إلى استخدام توربينات غازية متنقلة وبطاريات ومعدات تبريد محمولة في موقع «ماكروهارد» التابع لـxAI، الذي أصبح جزءًا من منظومة سبيس إكس بعد اندماج نشاطي الشركتين.

وأثارت هذه التجهيزات مخاوف بشأن استقرار التشغيل، بعدما تسببت انقطاعات في تعطيل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.

هدف 2 جيجاوات يواجه اختبارًا حقيقيًا

وتزداد أهمية الأزمة مع طموح سبيس إكس للوصول إلى أكثر من 2 جيجاوات من القدرة الحاسوبية بنهاية عام 2026.

ويعني تحقيق هذا الهدف ضرورة التوسع في مراكز البيانات، إلى جانب توفير كميات ضخمة من الكهرباء وأنظمة التبريد والطاقة الاحتياطية.

لكن أي تأخير في بناء المرافق أو تجهيزها بالأنظمة اللازمة قد يضعف قدرة الشركة على الوصول إلى مستهدفاتها، خصوصًا مع اعتمادها على استراتيجية التوسع السريع.

وتكشف هذه الأزمة تحديًا أكبر يواجه قطاع الذكاء الاصطناعي عمومًا؛ فامتلاك آلاف أو عشرات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات لا يكفي وحده، إذا لم تتوافر شبكة كهرباء مستقرة وأنظمة تبريد وطاقة احتياطية قادرة على تشغيلها باستمرار.

سبيس إكس تنقل مهندسي الصواريخ إلى مراكز البيانات

ولسد الفجوات القيادية والفنية، بدأت سبيس إكس في الاستعانة بموظفين من أنشطة أخرى داخل المجموعة.

وشملت التحركات نقل مسؤولين من برامج فالكون ودراغون وستارلينك إلى فرق مراكز البيانات، في محاولة للاستفادة من خبراتهم في إدارة عمليات هندسية وصناعية معقدة.

كما استعانت الشركة بخبرات هندسية من شركات أخرى مرتبطة بإيلون ماسك، بالتزامن مع توجهها إلى توظيف مهندسين في مجالات الهندسة المدنية والبنية التحتية.

ويكشف هذا التحول عن طبيعة مختلفة لنشاط الذكاء الاصطناعي داخل سبيس إكس؛ فالمنافسة لم تعد محصورة في تطوير البرمجيات والنماذج، وإنما أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الهندسة والطاقة والتبريد والبناء وسلاسل الإمداد.

عقود جوجل وأنثروبيك ترفع stakes البنية التحتية

دخلت سبيس إكس سوق تأجير القدرة الحاسوبية من بوابة عقود ضخمة مع شركات الذكاء الاصطناعي.

وأعلنت جوجل اتفاقًا مع سبيس إكس للحصول على قدرة حوسبية تشمل نحو 110 آلاف وحدة معالجة رسومات من إنفيديا إلى جانب وحدات المعالجة المركزية والذاكرة والمكونات المرتبطة بها، مقابل نحو 920 مليون دولار شهريًا، وفق ما أوردته تقارير تقنية.

كما أبرمت أنثروبيك اتفاقًا مع سبيس إكس لاستئجار قدرة حوسبية من مركز «كولوسوس 1» بقيمة تصل إلى 1.25 مليار دولار شهريًا، وفق تقارير منشورة.

وأضيف إلى هذه الصفقات اتفاق مع شركة «ريفلكشن إيه آي» للحصول على قدرة حوسبية من مركز «كولوسوس 2» بقيمة تصل إلى 150 مليون دولار شهريًا، وفق تقرير نشرته «تك كرانش».

وهكذا تحولت مراكز البيانات من مشروع داخلي لخدمة احتياجات الذكاء الاصطناعي إلى نشاط تجاري قائم على تأجير القدرة الحاسوبية للعملاء.

إيرادات الذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة جديدة

وأظهرت النتائج المالية المنشورة حديثًا أن سبيس إكس حققت 7.8 مليار دولار من المبيعات في الربع الثاني من 2026، مقابل 4 مليارات دولار في الربع المقارن من العام السابق، بنمو بلغ 92%.

وكان نشاط الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسية لهذه الزيادة، إذ ساهم بنحو ملياري دولار من نمو الإيرادات، بالتزامن مع نمو إيرادات ستارلينك بنحو 1.7 مليار دولار. ومع ذلك، سجلت الشركة خسارة قدرها 541 مليون دولار خلال الربع.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا مهمًا من نموذج أعمال سبيس إكس، وليس مجرد مشروع تقني تابع لأنشطة الشركة الفضائية.

الخطر الحقيقي.. ماذا يحدث إذا تعطلت مراكز البيانات؟

تكمن حساسية الوضع في أن عقود تأجير القدرة الحاسوبية لا تعتمد فقط على توافر وحدات معالجة الرسومات.

فالعميل يدفع مقابل قدرة حوسبية يمكن الاعتماد عليها، ما يعني أن الكهرباء والتبريد والاتصال والشبكات والصيانة أصبحت جميعها جزءًا من المنتج الذي تبيعه سبيس إكس.

وبالتالي فإن ارتفاع معدل الأعطال أو انخفاض وقت التشغيل قد يتحول من مشكلة فنية إلى مشكلة مالية وتجارية.

وقد تضطر الشركة في هذه الحالة إلى زيادة الإنفاق على أنظمة الطاقة الاحتياطية والتبريد والبنية التحتية، أو تأجيل التوسع في مواقع جديدة، أو إعادة التفاوض بشأن بعض الالتزامات إذا لم تتمكن من توفير القدرة المتفق عليها.

إيلون ماسك يحاول السيطرة على سلسلة توريد الطاقة

وفي محاولة لتقليل الاختناقات المرتبطة بالطاقة، تتجه سبيس إكس إلى توسيع سيطرتها على سلسلة التوريد الخاصة بمراكز البيانات.

وتشمل هذه الاستراتيجية العمل على إنشاء مصنع في تكساس لإنتاج شفرات توربينات الغاز المستخدمة لتوفير الطاقة لمراكز البيانات.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن أزمة الذكاء الاصطناعي لم تعد أزمة رقائق فقط، وإنما أصبحت أيضًا أزمة كهرباء وطاقة وتوربينات وشبكات ومعدات تبريد.

وتتزايد أهمية هذه المسألة مع توسع الطلب العالمي على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة بشأن قدرة شبكات الكهرباء على استيعاب الأحمال الجديدة.

سهم سبيس إكس يعكس حجم الرهان والمخاطر

وتراقب الأسواق هذه التطورات عن قرب، خصوصًا أن سهم سبيس إكس تعرض لتقلبات قوية منذ إدراجه في ناسداك.

وأغلق سهم الشركة عند نحو 142.23 دولارًا في 1 سبتمبر 2026، مقارنة بأعلى مستوى خلال 52 أسبوعًا عند 225.64 دولارًا، وفق بيانات السوق المتاحة.

ويعني ذلك أن السهم لا يزال أقل بنحو 37% من قمته المسجلة في يونيو، رغم تعافيه من أدنى مستوى بلغ نحو 104.83 دولارًا.

ويضع هذا الأداء المستثمرين أمام سؤال جوهري: هل تستطيع سبيس إكس تحويل الطلب الهائل على القدرة الحاسوبية إلى أرباح مستدامة، أم أن تكلفة بناء وتشغيل هذه البنية التحتية ستلتهم جزءًا كبيرًا من العائد؟

سبيس إكس أمام معادلة صعبة

المفارقة أن قوة سبيس إكس في سباق الذكاء الاصطناعي أصبحت في الوقت نفسه مصدرًا للمخاطر.

فالعقود الضخمة مع جوجل وأنثروبيك وغيرها تمنح الشركة مصدرًا جديدًا للإيرادات، لكنها ترفع سقف توقعات العملاء بشأن استقرار التشغيل.

وفي المقابل، فإن استراتيجية البناء السريع تمنح سبيس إكس ميزة السرعة، لكنها قد تفرض عليها لاحقًا إنفاقًا إضافيًا لتطوير أنظمة الطاقة والتبريد والاحتياطيات.

ولهذا فإن نجاح استراتيجية سبيس إكس في الذكاء الاصطناعي لن يقاس بعدد وحدات معالجة الرسومات التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تشغيل هذه الوحدات بكفاءة واستقرار، وتحويل القدرة الحاسوبية إلى تدفقات نقدية متكررة دون أن تتضخم تكاليف البنية التحتية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى