النفط فوق 100 دولار رغم قفزة المخزونات الأمريكية.. وأزمة الشرق الأوسط مستمرة

تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الأربعاء، بعدما طغت قفزة غير متوقعة في مخزونات الخام الأمريكية على استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من تأثير الهجمات الحوثية على تدفقات النفط العالمية.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.75% إلى 107.94 دولار للبرميل، بينما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 1.1% إلى 104.70 دولار، مع استمرار تداول الخام قرب أعلى مستوياته خلال العام.
ورغم التراجع، ظلت خسائر النفط محدودة، في ظل استمرار علاوة المخاطر المرتبطة باحتمالات تقلص الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط.
قفزة مفاجئة في مخزونات النفط الأمريكية
كشفت بيانات معهد البترول الأمريكي عن ارتفاع مخزونات الخام الأمريكية بنحو 7.14 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 11 سبتمبر.
وجاءت الزيادة مخالفة تمامًا لتوقعات الأسواق، التي كانت تشير إلى انخفاض المخزونات بنحو 1.8 مليون برميل.
وتترقب الأسواق البيانات الرسمية لمخزونات النفط الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، باعتبارها القراءة الأكثر اعتمادًا لتقييم اتجاه المخزونات والطلب على الخام في أكبر سوق استهلاكية للوقود عالميًا.
وتشير الزيادة الكبيرة في المخزونات إلى أن اضطرابات الإمدادات العالمية لم تنعكس حتى الآن بصورة مماثلة على مستويات مخزونات الخام داخل الولايات المتحدة.
السحب من الاحتياطي الاستراتيجي يدعم الأسعار
في المقابل، ساهم استمرار السحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي في الحد من التأثير السلبي لارتفاع المخزونات التجارية.
وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة أن الاحتياطي البترولي الاستراتيجي تراجع بنحو 130 مليون برميل منذ بداية عام 2026، ليصل إلى نحو 285.36 مليون برميل.
ويضيف هذا التطور عنصرًا آخر إلى معادلة سوق النفط الأمريكية، إذ يأتي تراجع الاحتياطي الاستراتيجي في وقت ترتفع فيه المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية.
هجمات الحوثيين تضغط على إمدادات النفط
ولا تزال اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط تمثل عامل الدعم الرئيسي لأسعار النفط.
وأفادت تقارير بأن المملكة العربية السعودية أوقفت عمليات التحميل في ميناء ينبع، بعدما أغلقت خط أنابيب الشرق والغرب، في ظل استمرار الهجمات التي يشنها الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن.
وشهدت السعودية خلال الأسبوع الحالي هجمات جديدة، فيما أعلنت الرياض اعتراض طائرة مسيرة جنوب مدينة مكة المكرمة.
وتثير هذه التطورات مخاوف بشأن قدرة المنطقة على الحفاظ على تدفقات النفط بصورة طبيعية، خصوصًا مع استمرار التوترات الأمنية حول طرق الشحن الرئيسية.
باب المندب يضيف مخاطر جديدة للسوق
وتزداد حساسية سوق النفط مع استمرار التوترات في منطقة البحر الأحمر.
وأشارت تقارير إلى سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية على امتداد البحر الأحمر، وهو ما يمنحهم قدرة أكبر على تهديد ناقلات النفط العابرة للمنطقة.
وتكمن أهمية باب المندب في كونه أحد الممرات الحيوية لحركة التجارة وشحنات الطاقة بين الشرق والغرب، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملًا مؤثرًا في تكلفة النقل وأمن الإمدادات.
وتشير التقديرات الواردة في التقارير إلى أن التصعيد الحوثي ضد السعودية قد يؤدي إلى تعطيل ما بين 4% و5% من إمدادات النفط العالمية.
مضيق هرمز يبقى نقطة الخطر الأكبر
وتتزامن اضطرابات البحر الأحمر مع استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز.
وأبقت المواجهة تدفقات النفط عبر هذا الممر المائي الحيوي عند جزء محدود من مستويات ما قبل الحرب، ما يعزز المخاوف بشأن استمرار الضغوط على الإمدادات العالمية.
ويمثل مضيق هرمز نقطة حساسة للغاية في سوق الطاقة العالمية، ولذلك فإن استمرار انخفاض حركة الشحن عبره يفرض علاوة مخاطر إضافية على أسعار النفط.
برنت يصعد نحو 20% خلال ثلاثة أسابيع
ورغم تراجع الأسعار في جلسة الأربعاء، حافظ النفط على مكاسب قوية خلال الأسابيع الأخيرة.
وارتفع خام برنت بنحو 4% خلال الأسبوع الحالي، بعدما سجل مكاسب تقارب 8% في كل من الأسبوعين السابقين.
وتعكس هذه التحركات إعادة تسعير واضحة للمخاطر الجيوسياسية في سوق النفط، مع انتقال اهتمام المستثمرين من مستويات الطلب والمخزونات فقط إلى احتمالات حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
الفيدرالي يضيف عامل ضغط جديد
ويواجه النفط في الوقت نفسه ضغوطًا من السياسة النقدية الأمريكية، مع ترقب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتراقب الأسواق الاجتماع عن كثب، في ظل توقعات واسعة بأن يتجه البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة.
وعادة ما تمثل أسعار الفائدة المرتفعة عامل ضغط على أسعار السلع المقومة بالدولار، بسبب تأثيرها على العملة الأمريكية وتكاليف التمويل والنشاط الاقتصادي.
لكن تأثير السياسة النقدية يبدو حاليًا أقل حدة من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإمدادات الطاقة.
المخزونات الأمريكية مقابل مخاطر الشرق الأوسط
وتكشف حركة النفط الحالية عن صراع واضح بين عاملين متناقضين.
الأول يتمثل في ارتفاع المخزونات الأمريكية بصورة تفوق التوقعات، وهو ما يشير إلى توازن نسبي في سوق الخام الأمريكية ويفرض ضغوطًا على الأسعار.
أما العامل الثاني فيتمثل في استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، سواء عبر البحر الأحمر وباب المندب أو من خلال استمرار التوترات حول مضيق هرمز.
وتفسر هذه المعادلة قدرة النفط على الاحتفاظ بمستوياته المرتفعة رغم بيانات المخزونات السلبية.
وبالتالي، فإن اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بمدى اتساع اضطرابات الإمدادات، إلى جانب ما ستكشفه بيانات المخزونات الأمريكية الرسمية عن مستويات الطلب والاستهلاك.
ومع بقاء برنت فوق 107 دولارات وغرب تكساس الوسيط فوق 104 دولارات، تظل سوق النفط أمام اختبار مزدوج بين قوة المخزونات الأمريكية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يبقي تقلبات الأسعار مرتفعة ويجعل أي تطور جديد في الشرق الأوسط قادرًا على تغيير اتجاه السوق سريعًا.









