الدكتور وليد فاروق يكتب: « الذهب في حياة المصريين.. زينة الفرح وخزينة الأيام الصعبة»

مدير « مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية »

ارتبط المصريون بالذهب عبر التاريخ ارتباطًا يتجاوز فكرة الزينة أو الاستثمار، حتى صار جزءًا من الوجدان الشعبي والعادات الاجتماعية، ورمزًا للأمان والستر وحفظ القيمة، فمنذ مصر القديمة، نظر المصريون إلى الذهب باعتباره معدنًا استثنائيًا، ارتبط بلون الشمس والخلود والثبات، قبل أن ينتقل حضوره عبر القرون من قصور الحكام والنخبة إلى بيوت المصريين، حيث أصبح شاهدًا على الفرح، ورفيقًا في أوقات الضيق.

لم يكن الذهب في البيت المصري مجرد حُليّ تتزين بها المرأة، بل كان «تحويشة العمر» و«سند الزنقة»، ومن هنا وُلد المثل الشعبي الشهير: «الذهب زينة وخزينة»، وهو تعبير دقيق عن فلسفة المصريين في التعامل مع المعدن الأصفر؛ فهو زينة في الفرح، وخزينة وقت الحاجة.

كانت الأسرة المصرية تشتري الذهب للزمن، لا للتزيين وحده. كانت الأم أو الجدة تحتفظ بالغوايش والخواتم والسلاسل داخل الدولاب أو الصندوق الخشبي، لاستخدامها عند زواج الأبناء، أو مواجهة أزمة مالية، أو علاج مريض، أو تجهيز سفر، أو أداء فريضة الحج.

وأذكر جدتي حين كانت تقول لأبنائها: «الغويشة دي لخرجتي»، إذ كنّ بعض النساء تحتفظن بقطعة ذهب لا للفرح فقط، بل أيضًا ليوم الرحيل؛ لتعين الأبناء على شراء الكفن وسداد مصاريف الدفن، هكذا حضر الذهب في البيت المصري في الفرح والحزن معًا، زينة في الحياة، وسترًا عند الحاجة، وادخارًا لليوم الذي لا تعرف الأسرة متى يأتي.

وفي الزواج، ظل الذهب أحد أهم رموز الارتباط الاجتماعي. فالشبكة لم تكن مجرد هدية يقدمها العريس للعروس، بل علامة على الجدية والقدرة، وغطاء مالي يحفظ للمرأة مكانتها وحقها. وكانت قيمة الشبكة، في أحيان كثيرة، تُقرأ اجتماعيًا بوصفها دليلًا على مكانة الأسرة وقدرة الزوج، حتى تحولت إلى أحد مقاييس «عراقة» الزواج في الوعي الشعبي.

ولم تقف علاقة المرأة المصرية بالذهب عند حدود الشبكة، بل امتدت إلى حب المشغولات وتبديلها من وقت لآخر، فالغويشة، والكردان، والحلق، والدلاية، لم تكن قطعًا صامتة، بل مفردات تحمل حكايات من البيئة المصرية، وتكشف ذوق كل مرحلة وملامحها الاجتماعية.

وخلال القرن الماضي، لعبت ورش وشركات مصرية شهيرة دورًا مهمًا في حفظ التراث الشعبي داخل المصوغات، مثل الجمل والزرافة والسمكة والسرجاني وشفيق غالي والجلا وغيرها، حيث خرجت من هذه البيوت تصميمات مستلهمة من الروح المصرية، من الأقراط والكردانات والغوايش والدلايات، إلى قطع تحمل رموزًا شعبية ودينية واجتماعية.

ومن بين هذه الرموز، انتشرت في بعض المشغولات فكرة استخدام الأرقام الفردية، اعتقادًا بأنها تحمل دلالة رمزية في حماية الزواج ومنع زواج الرجل على زوجته، كما ارتدت المرأة المصرية الأحجبة الذهبية أو الفضية، وهي عادة ممتدة الجذور، كانت تُستخدم للحماية من الحسد والسحر، على هيئة أسطوانات مغلقة أو علب صغيرة توضع بداخلها آيات قرآنية، وربما قدر من البخور أو العطر.

وتحفظ الذاكرة الحرفية المصرية صورة «الصائغ الجوال»، الذي كان ينتقل إلى بيوت الأثرياء في الريف والصعيد لتصنيع مصوغات النساء، خصوصًا المقبلات على الزواج، وكان الصائغ قد يعمل داخل المنزل لأسابيع أو أشهر حتى ينتهي من تجهيز متطلبات العروس، ومن هنا جاءت العبارة الشعبية: «فلانة حبسوا لها السندالة»، والسندالة هي الأداة التي كان يستخدمها الصائغ في تشكيل الذهب.

ولم تكن الحُلي الشعبية حكرًا على فئة أو طائفة، بل حملت أحيانًا رموزًا مشتركة بين المصريين، ومن القطع التي عرفتها الأسواق المصرية «عود الصليب»، وهي قطعة أسطوانية صغيرة من الخشب، تشبه مخروطين ملتصقين، تُغلف بالذهب أو الفضة، وتُعلق بسلسلتين ومشبك، وكان يرتديها أقباط ومسلمون في بعض البيئات الشعبية، وأحيانًا تُستخدم كحلق.

ومن القطع اللافتة أيضًا حلق «شباك الحسين»، الذي ارتدته المرأة المصرية في الأرياف، وكانت تنتجه شركة ليتو مراد، صاحبة ماركة الجمل، من الذهب القشرة، وكان تصميمه مستوحى من مقصورة ضريح سيدنا الإمام الحسين، على شكل دائرة تتوسطها فتحتان مستطيلتان، بأسلاك نحاسية دقيقة بطريقة «الشفتيشي»، وتتدلى منه سبع كفوف، في مزج واضح بين الفن الشعبي والرمز الديني والحماية من الحسد.

هكذا لم يكن الذهب في مصر مجرد معدن يُشترى ويُباع، بل ذاكرة اجتماعية كاملة، كان وسيلة لعرض المكانة والقوة، وأداة للزينة، ووعاءً للادخار، وسترًا وقت الحاجة، ومن الغوايش التي تحفظها الجدة، إلى الشبكة التي تُعلن بداية الزواج، ومن الحلق الشعبي إلى السبيكة والجنيه الذهب اليوم، ظل المعدن الأصفر حاضرًا في حياة المصريين باعتباره قيمة مادية ورمزية لا تنفصل عن الفرح والخوف، عن البيت والسوق، وعن الستر بعد الله.

💱 أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

تحديث مباشر للعملات العالمية

🧮 حاسبة العملات

جاري التحميل...

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى