الذهب يتماسك قرب 4400 دولار.. محضر الفيدرالي يحسم اتجاه المعدن بعد موجة الهبوط

استقرت أسعار الذهب قرب مستوى 4400 دولار للأوقية في تعاملات الأربعاء، بعد تعرض المعدن لأكبر انخفاض يومي له في نحو شهر، مع استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وأسعار النفط في الضغط على جاذبية الذهب، بينما يترقب المستثمرون محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يوليو بحثًا عن إشارات جديدة بشأن مسار أسعار الفائدة.

وفي أحدث التعاملات، ارتفع الذهب الفوري مقابل الدولار بنحو 0.1% إلى 4336.96 دولار للأوقية، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب بنحو 0.7% إلى 4390.50 دولار. كما انخفضت الفضة بنحو 0.9% إلى 62.76 دولار للأوقية، في حين استقر مؤشر الدولار قرب 99.67.

وتتجه أنظار الأسواق إلى محضر اجتماع الفيدرالي المقرر صدوره الأربعاء، في وقت تُظهر فيه تسعيرات الأسواق احتمالًا يقارب 35% لرفع الفائدة في سبتمبر، بعد سلسلة من البيانات الأمريكية التي أظهرت تباطؤًا في بعض جوانب الاقتصاد.

عوائد السندات تضع الذهب أمام اختبار صعب

يواجه الذهب في الوقت الحالي معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد توقعات أسعار الفائدة.

فارتفاع عوائد السندات الأمريكية يجعل الأصول ذات الدخل الثابت أكثر جاذبية مقارنة بالذهب، الذي لا يدر عائدًا دوريًا، وهو ما يرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس.

وتعرضت سوق السندات الأمريكية لموجة بيع قوية خلال الأيام الماضية، دفعت عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.33%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، قبل أن تتراجع العوائد بشكل طفيف في تعاملات الأربعاء.

ولا ترتبط هذه الزيادة فقط بتوقعات الفائدة، بل تعكس أيضًا مخاوف المستثمرين بشأن التضخم، والعجز المالي الأمريكي، وكثافة إصدارات الديون طويلة الأجل.

أسعار النفط تعيد مخاوف التضخم إلى الأسواق

في الوقت نفسه، يمثل ارتفاع النفط عامل ضغط إضافيًا على الذهب.

فصعود أسعار الطاقة، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية ويجعل مهمة الفيدرالي أكثر صعوبة.

وهنا تظهر مفارقة مهمة بالنسبة للذهب؛ فالتوترات الجيوسياسية تدعم الطلب على المعدن باعتباره ملاذًا آمنًا، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، بما قد يدفع المستثمرين إلى توقع بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول.

وبذلك يجد الذهب نفسه بين عامل داعم يتمثل في المخاطر الجيوسياسية، وعامل ضغط يتمثل في ارتفاع العوائد والتضخم المحتمل.

مضيق هرمز يضيف عنصرًا جديدًا لمعادلة الذهب

تظل تطورات مضيق هرمز أحد أهم المتغيرات التي تراقبها أسواق المعادن والطاقة.

وتتباين التصريحات الأمريكية والإيرانية بشأن وضع الملاحة في المضيق، بينما تؤدي حالة عدم اليقين إلى ارتفاع مخاطر الشحن والطاقة.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن حركة الملاحة لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، وهو ما يبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية قائمة في أسعار النفط، وبالتالي في توقعات التضخم العالمية.

وتكمن أهمية هرمز بالنسبة للذهب في أن استمرار اضطراب الإمدادات النفطية قد يخلق مسارين متعاكسين: زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن، أو ارتفاع التضخم بما يقلص فرص خفض الفائدة ويضغط على المعدن.

الذهب يحاول استعادة اتجاهه الصاعد

كان الذهب قد نجح خلال أغسطس في التعافي من منطقة 4000 دولار للأوقية، مدعومًا بتجدد الطلب الاستثماري وارتفاع مشتريات البنوك المركزية.

وأشارت تحليلات السوق إلى أن المعدن بدأ في بناء قاعدة سعرية بعد تراجعه الحاد في أواخر يونيو، إلا أن قدرته على استعادة الاتجاه الصاعد ستتوقف بدرجة كبيرة على تجاوز مناطق المقاومة الفنية القريبة.

ويبرز مستوى 4430-4450 دولارًا للأوقية كمنطقة مقاومة مهمة، بينما يقع المتوسط المتحرك لـ200 يوم قرب 4500 دولار.

ويعني اختراق هذه المستويات بصورة مستدامة أن الذهب قد يستعيد الزخم الصاعد ويفتح المجال أمام استهداف مستويات أعلى، في حين أن الفشل في تجاوزها قد يبقي الأسعار داخل نطاق تصحيحي.

محضر الفيدرالي هو المحفز الأهم

يركز المستثمرون الآن على محضر اجتماع يوليو بحثًا عن إجابة لسؤال رئيسي: إلى أي مدى أصبح صانعو السياسة النقدية أكثر قلقًا بشأن التضخم مقارنة بمخاطر تباطؤ الاقتصاد؟

فإذا عكست محاضر الاجتماع موقفًا أقل تشددًا مما تتوقعه الأسواق، فقد يتراجع الدولار والعوائد، وهو ما سيكون داعمًا للذهب.

أما إذا أظهرت المحاضر تمسكًا قويًا بمخاطر التضخم أو استعدادًا للإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول، فقد تتعرض أسعار الذهب لموجة ضغط جديدة.

وتأتي هذه التطورات بعد بيانات أمريكية أضعف نسبيًا، بينها تراجع مبيعات التجزئة في يوليو، وتراجع بعض مؤشرات سوق العمل، بينما ظلت بيانات التضخم في نطاق يجعل الفيدرالي حذرًا من إعلان انتصار مبكر على ضغوط الأسعار.

الصين والبنوك المركزية يقدمان دعمًا للذهب

ورغم الضغوط القادمة من سوق السندات، لا يزال الذهب يحظى بدعم هيكلي من مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستثماري.

وتشير بيانات حديثة إلى استمرار توجه البنوك المركزية نحو زيادة حيازاتها من الذهب، في وقت تسعى فيه بعض المؤسسات إلى تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الأصول المقومة بالدولار. كما برزت الصين باعتبارها أحد مصادر الطلب المهمة خلال موجة الصعود الأخيرة.

ويمثل هذا العامل نقطة قوة للذهب على المدى المتوسط، لأنه يقلل من اعتماد حركة المعدن على المضاربات قصيرة الأجل المرتبطة فقط بأسعار الفائدة.

4500 دولار.. المقاومة التي ينتظرها السوق

من الناحية الفنية، يحتاج الذهب إلى استعادة منطقة 4430-4450 دولارًا أولًا لاستعادة الزخم الصعودي.

وفي حال نجح المعدن في تجاوز هذه المنطقة والثبات فوقها، تصبح منطقة 4500 دولار هدفًا فنيًا رئيسيًا، خاصة مع اقتراب المتوسط المتحرك لـ200 يوم من هذا المستوى.

أما استمرار التداول أسفل هذه المناطق، بالتزامن مع ارتفاع العوائد وأسعار النفط، فقد يدفع المستثمرين إلى جني الأرباح وانتظار محفز جديد قبل استئناف الصعود.

الذهب أمام سيناريوهين

يدخل الذهب المرحلة المقبلة أمام سيناريوهين واضحين.

السيناريو الأول: محضر فيدرالي يميل إلى التيسير، مع استمرار ضعف البيانات الاقتصادية وتراجع العوائد والدولار. وفي هذه الحالة قد يستعيد الذهب منطقة 4450 دولارًا ثم يحاول اختبار 4500 دولار.

السيناريو الثاني: محضر أكثر تشددًا، بالتزامن مع استمرار ارتفاع النفط والعوائد. وفي هذه الحالة قد يظل الذهب تحت الضغط، خصوصًا إذا عاد الدولار إلى الصعود.

لكن العامل الجيوسياسي يظل قادرًا على تغيير المعادلة سريعًا، خاصة إذا شهد مضيق هرمز مزيدًا من الاضطرابات أو اتسع نطاق التوتر في الشرق الأوسط.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى