النفط فوق 100 دولار للأسبوع الثاني.. هل تتحول حرب هرمز إلى أزمة تضخم؟

تراجعت أسعار النفط الخام القياسية يوم الجمعة، للمرة الأولى بعد موجة مكاسب متواصلة، بعدما أفادت تقارير بأن إيران وسلطنة عُمان تجريان تحركات مع دول الخليج لبحث إعادة فتح الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.

ورغم التراجع، ظل النفط متجهًا لتحقيق مكاسب قوية خلال أسبوعين، مع استمرار المخاوف من تعرض إمدادات الطاقة العالمية للخطر بسبب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع نطاق التوتر بين السعودية والحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

وبحلول الساعة 16:30 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت، تسليم نوفمبر، بنسبة 2.6% إلى 104.79 دولار للبرميل، بينما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي، تسليم أكتوبر، بنسبة 2.1% إلى 100.31 دولار للبرميل.

ومع ذلك، أنهى خام برنت أسبوعه الثاني من الارتفاع القوي، مسجلًا مكاسب بلغت 18.9% خلال أسبوعين، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 20.3% خلال الفترة نفسها.

النفط يواجه اختبار مضيق هرمز

جاء تراجع أسعار النفط بعد تقرير لصحيفة فايننشال تايمز أفاد بأن وزراء خارجية دول الخليج يعتزمون الاجتماع مع نظرائهم الإيرانيين لبحث إدارة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.

وبحسب التقرير، من المقرر عقد الاجتماع يوم الاثنين في مدينة صلالة العُمانية، في محاولة للتوصل إلى ترتيبات تسمح باستمرار حركة التجارة عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.

وكانت إيران وسلطنة عُمان قد أشارتا في أغسطس إلى إجراء محادثات بشأن اتفاق يتعلق بالملاحة التجارية في المضيق، بينما عارضت الولايات المتحدة بشدة أي اتفاق من هذا النوع، وحذرت دول الخليج من التفاوض مع طهران.

وتراقب الأسواق هذه التحركات باعتبارها أحد العوامل القادرة على تخفيف علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية.

لكن المشكلة أن أي ترتيبات سياسية لا تعني بالضرورة عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية فورًا، خصوصًا مع استمرار التهديدات الأمنية في المنطقة.

حركة السفن تكشف حجم الأزمة

تراجعت حركة السفن العابرة لمضيق هرمز إلى سبع سفن يوم الخميس، مقابل متوسط متحرك لعشرة أيام يبلغ 15 سفينة، وفق بيانات الشحن التي نقلتها رويترز.

ويعني ذلك أن الأسواق لا تزال تتعامل مع خطر فعلي على حركة الإمدادات، رغم التقارير المتعلقة بإمكانية التوصل إلى ترتيبات جديدة بشأن الملاحة.

ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن يمكن أن يرفع علاوة المخاطر على أسعار النفط حتى في حالة عدم حدوث نقص فعلي في الإمدادات.

التصعيد العسكري يرفع علاوة المخاطر

وتزامنت التطورات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران خلال الأسبوع.

وشهدت الأيام الأخيرة زيادة في حدة الهجمات، مع استهداف سفن وناقلات نفط ومنشآت مرتبطة بالطاقة، الأمر الذي عزز المخاوف بشأن قدرة المنطقة على الحفاظ على تدفقات النفط والغاز بصورة طبيعية.

كما أدى التصعيد بين السعودية والحوثيين المدعومين من إيران إلى إضافة خطر آخر على حركة التجارة والطاقة، خصوصًا مع أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالنسبة لحركة السفن.

وأعلنت وزارة الطاقة السعودية يوم الجمعة تعرض خط أنابيب الغاز بين الشرق والغرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لهجمات متعددة صباح اليوم السابق، ما أدى إلى إغلاق خط الأنابيب.

وتزيد هذه التطورات من حساسية أسواق الطاقة تجاه أي تصعيد جديد، حتى مع وجود محاولات سياسية لاحتواء الأزمة.

واشنطن تراقب تكلفة الحرب على الاقتصاد

ويأتي تصاعد أسعار الطاقة في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا تضخمية متزايدة.

وتجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة ستة دولارات للجالون يوم الخميس للمرة الأولى، في تطور يعكس انتقال جزء من صدمة أسعار النفط العالمية إلى تكاليف النقل والاستهلاك.

وأظهرت بيانات التضخم الأمريكية الصادرة يوم الجمعة أن أسعار البنزين ساهمت بأكثر من ثلث الزيادة الشهرية البالغة 0.4% في مؤشر أسعار المستهلك خلال أغسطس.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، لأن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعقد مهمة السيطرة على التضخم، خصوصًا إذا امتدت صدمة النفط إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات.

الديزل يهدد بإشعال التضخم الأساسي

وقال بيل آدامز، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك فيفث ثيرد التجاري، إن ارتفاع أسعار الطاقة يلقي بظلاله على بيانات التضخم لشهر أغسطس.

وأوضح أن سعر الديزل تجاوز ستة دولارات للجالون، بزيادة سنوية بلغت 63%، مشيرًا إلى أن تأثير الديزل على التضخم الأساسي قد يكون أكبر من تأثير البنزين، نظرًا لاعتماد الشركات عليه بصورة واسعة في تشغيل أساطيل الشاحنات.

وتكمن الخطورة الاقتصادية هنا في أن ارتفاع تكلفة النقل يمكن أن ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات، ما يجعل صدمة الطاقة أكثر تأثيرًا على التضخم الأساسي.

النفط يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة

وتضع أسعار النفط المرتفعة مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة أكثر تعقيدًا.

فارتفاع الطاقة قد يدفع التضخم إلى الصعود، بينما يؤدي تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم إلى زيادة تكلفة الاقتراض والضغط على النشاط الاقتصادي.

وفي المقابل، فإن السماح للتضخم بالارتفاع لفترة أطول قد يجعل مهمة إعادة التضخم إلى مستهدف البنك المركزي أكثر صعوبة.

وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش قد أكد في خطاب جاكسون هول أن البنك المركزي يحتاج إلى الثقة في تحرك التضخم الأساسي نحو مستهدفه بوضوح وبسرعة كافية، وإلا فقد يضطر إلى اتخاذ إجراءات إضافية.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة في بداية سبتمبر، تواجه هذه الرؤية اختبارًا جديدًا، خصوصًا إذا استمرت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.

النفط بين التهدئة العسكرية وأزمة الإمدادات

ويتحرك النفط حاليًا بين عاملين متناقضين.

العامل الأول هو محاولات إعادة فتح الملاحة عبر مضيق هرمز، والتي قد تخفف المخاوف المتعلقة بالإمدادات وتدفع الأسعار إلى التراجع.

أما العامل الثاني فهو استمرار التصعيد العسكري، الذي يبقي خطر تعطل الإمدادات قائمًا ويمنع الأسواق من التخلص سريعًا من علاوة المخاطر.

ولهذا، فإن أي تقدم حقيقي في ترتيبات الملاحة قد يضغط على أسعار النفط، بينما يمكن لأي هجوم جديد على ناقلات أو منشآت الطاقة أن يعيد إشعال موجة الصعود.

20% مكاسب في أسبوعين

وعلى الرغم من خسائر جلسة الجمعة، فإن الصورة الأكبر لا تزال صعودية بصورة واضحة.

فخام برنت ارتفع 18.9% خلال أسبوعين، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط 20.3%، كما تجاوز الخامان مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أواخر مايو.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التراجع الأخير لا يكفي وحده للقول إن موجة صعود النفط انتهت، بل قد يمثل في الوقت الحالي إعادة تسعير للمخاطر بعد ظهور مؤشرات على إمكانية تحسين حركة الملاحة.

ويبقى العامل الحاسم هو ما إذا كانت التحركات السياسية ستؤدي بالفعل إلى عودة مستدامة لحركة السفن عبر هرمز، أم أن التصعيد العسكري سيظل أقوى من محاولات التهدئة.

وفي الوقت نفسه، ستراقب الأسواق انعكاس أسعار الطاقة على التضخم الأمريكي، لأن استمرار النفط فوق 100 دولار قد يحول أزمة إمدادات إقليمية إلى قضية نقدية تؤثر في قرارات الاحتياطي الفيدرالي وأسواق السندات والدولار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى