بعد 10 سنوات من فضيحة كريدي سويس.. هل لا تزال البنوك تمارس التجسس؟

تعود فضيحة التجسس التي هزت بنك كريدي سويس إلى واجهة القطاع المصرفي بعد مرور نحو 10 سنوات على بدء عمليات المراقبة السرية لموظفين ومديرين، وسط تحذيرات خبراء من أن الأموال الضخمة والمنافسة الشرسة وتضخم الأنا داخل الخدمات المصرفية الاستثمارية قد تعيد إنتاج السلوك نفسه، حتى مع تشديد قواعد الحوكمة والامتثال.
وتكشف القضية أن مخاطر السلوك المصرفي لا ترتبط فقط بالاحتيال أو غسل الأموال أو التلاعب بالأسواق، وإنما تمتد أيضًا إلى كيفية استخدام المؤسسات المالية للمعلومات السرية، وحدود مراقبة الموظفين، ومدى قدرة مجالس الإدارات على منع القرارات الشخصية من التأثير في المصالح المؤسسية.
فضيحة كريدي سويس بدأت قبل انفجار الأزمة
ظهرت فضيحة التجسس إلى العلن في عام 2019، بعدما كشف تحقيق داخلي أن بيير أوليفييه بوي، الرئيس السابق للعمليات في كريدي سويس، استعان بمحققين خاصين لمراقبة إقبال خان، أحد كبار مسؤولي إدارة الثروات، خشية انتقاله إلى بنك يو بي إس المنافس واصطحابه معه عدداً من العملاء .
لكن التحقيقات كشفت لاحقًا أن الأمر لم يكن حادثة منفردة ، فبحسب نتائج تحقيق أجرته هيئة الإشراف على السوق المالية السويسرية، بدأ كريدي سويس عمليات مراقبة سرية منذ عام 2016، وامتدت هذه العمليات حتى عام 2019.
وخلصت الهيئة إلى أن البنك خطط خلال هذه الفترة لسبع عمليات مراقبة، نُفذ معظمها، وشملت في حالتين أعضاء من الإدارة التنفيذية في سويسرا، إلى جانب موظفين سابقين وأطراف أخرى خارج البلاد.
وفرضت الهيئة إجراءات على البنك، ووجهت توبيخًا إلى شخصين، كما فتحت إجراءات إنفاذ بحق ثلاثة أشخاص آخرين.
اختفاء كريدي سويس لا يعني اختفاء المخاطر
لم يعد كريدي سويس كيانًا مصرفيًا مستقلًا بعد استحواذ يو بي إس عليه في أعقاب أزمة عام 2023.
لكن القضية تطرح سؤالًا أكبر على القطاع المصرفي: هل اختفت الممارسات التي كشفتها فضيحة التجسس، أم أن التشدد الرقابي جعل اكتشافها أكثر صعوبة؟
تقول أونا فان دن بيرغ، المتخصصة في الامتثال والجرائم المالية، إن الحالات المعروفة لا تمثل بالضرورة جميع الوقائع التي تحدث داخل المؤسسات.
وترى أن الحالات التي كُشف عنها ظهرت غالبًا نتيجة تحقيقات صحفية أو بلاغات من داخل المؤسسات أو عمليات فاشلة، وليس نتيجة أنظمة الرقابة التي يفترض أن تمنع مثل هذه الممارسات.
وهنا تكمن واحدة من أخطر نقاط الضعف في الحوكمة المصرفية: عدم اكتشاف المخالفة لا يعني بالضرورة عدم حدوثها.
الأموال الضخمة ترفع مخاطر تضارب المصالح
يرى خبراء في القطاع أن حجم الأموال التي يديرها كبار المصرفيين، إلى جانب قيمة علاقاتهم بالعملاء، يمكن أن يزيد من حدة الصراعات الشخصية والمنافسة على العملاء.
ويشير ديفيد جيبسون مور، المستشار الاستراتيجي الذي أمضى عقودًا في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية، إلى أن المراقبة السرية يمكن أن تتكرر عندما تتغلب المنافسات الشخصية أو التجارية على الحكم المهني السليم.
ومع ذلك، يستبعد استمرار مثل هذه الممارسات المنظمة داخل البنوك الكبرى بالصورة التي ظهرت في كريدي سويس، بالنظر إلى العواقب القانونية والتنظيمية والسمعة التي يمكن أن تترتب عليها.
عندما تصبح خسارة العميل أغلى من الالتزام بالقواعد
تقدم القضية درسًا مهمًا في إدارة المخاطر المصرفية ، فكلما ارتفعت قيمة العميل أو العلاقة المصرفية أو المعلومات التجارية المرتبطة بها، زادت الضغوط على المسؤولين للحفاظ عليها.
لكن المشكلة لا تكمن في الأموال وحدها ، فالخبراء يرون أن ثقافة المؤسسة هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الضغوط التجارية ستتحول إلى سلوك غير مقبول أم ستظل ضمن الحدود المهنية والقانونية.
وبالتالي، فإن رفع الحوافز المالية من دون تعزيز آليات الرقابة والمساءلة قد يخلق بيئة أكثر عرضة لمخاطر السلوك.
الحوكمة المصرفية أمام اختبار جديد
على مدى السنوات الماضية، عززت المؤسسات المالية أنظمة إدارة مخاطر السلوك، وحماية المبلغين عن المخالفات، وضوابط الوصول إلى البيانات، وإجراءات الموافقة والرقابة على الموظفين.
لكن قضية كريدي سويس تظهر أن وجود القواعد لا يكفي وحده ، المطلوب هو قدرة مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية على اكتشاف مؤشرات الخطر قبل تحول المنافسة التجارية إلى تجاوزات، مع وجود قنوات مستقلة وفعالة للإبلاغ والتحقيق.
كما أن حماية المعلومات السرية للعملاء والموظفين أصبحت جزءًا أساسيًا من مخاطر التشغيل والامتثال، خصوصًا مع توسع استخدام البيانات والأنظمة الرقمية داخل المؤسسات المالية.
الدرس الأهم للبنوك
تكشف عودة قضية كريدي سويس أن مخاطر السلوك المصرفي قد تبدأ من قرار يبدو صغيرًا لحماية عميل أو علاقة تجارية، لكنها قد تتحول إلى أزمة مؤسسية وقانونية واسعة عندما تتراجع الحوكمة أمام المصالح الشخصية أو المنافسة الداخلية.
والقاعدة الأوضح التي تفرضها القضية هي أن كلما زادت قيمة الأموال والمعلومات التي يديرها المصرفيون، وجب أن تكون إجراءات الرقابة والموافقة والمساءلة أكثر صرامة، لا أقل.
فالثقة في القطاع المصرفي لا تُبنى فقط على قوة رأس المال أو سلامة الميزانية، وإنما أيضًا على قدرة البنك على حماية المعلومات واحترام قواعد السلوك ومنع تضارب المصالح قبل أن يتحول إلى أزمة.









