محيي الكردوسي يكتب: «اغتيال صحة المصريين على باب عبد الغفار»

من خلال تجربة مريرة عشتها على مدار خمسة أيام بين مستشفى الهلال ومعهد ناصر، رأيت كيف تُغتال صحة المصريين على أبواب المستشفيات، بينما تتردد على لسان وزير الصحة تصريحات وردية، يبدو أنها تصلح للتطبيق في مستشفيات سويسرا، لا في المستشفيات الحكومية التي يواجه فيها المواطن المصري واقعًا مريرًا، تحت أعين حواس، مدير مستشفى الهلال، والسعيد في معهد ناصر.

بدأت القصة بشاب متهور يقود دراجة نارية بسرعة الطائرة في شوارع تكتظ بالمواطنين، فيصيب من يصيب دون رقيب أو محاسب. وهكذا تحول هذا الاستهتار إلى بداية مأساة جديدة، جعلت أحد أقرب أقربائي ضحية للمرة الثانية؛ الأولى بسبب الحادث، والثانية بسبب رحلة البحث عن حقه في العلاج على أبواب المستشفيات.

فقد أصيب قريبي بكسور في ساقيه، وأصبحت حالته تستدعي تدخلًا جراحيًا عاجلًا. توجهنا إلى مستشفى الهلال، وهناك بدأت فصول حكاية لم أكن أتخيل أن أعيشها داخل مستشفى حكومي.

شاب سوداني يُدعى بهاء، يعمل متدربًا، يتواصل مع قياداته عبر تطبيق «واتساب»، الذي بدا وكأنه أصبح الاستشاري الذي تُنتظر منه القرارات الطبية عن بُعد. مريض يتوجع من الألم، ومصيره معلق برسالة على تطبيق إلكتروني، من استشاري لا نعرف أين يوجد، ولا كيف يدير قسم الطوارئ، ولا متى يتخذ قراره.

ومن هنا بدأت المعاناة الحقيقية.

بعد إجراء الأشعة والفحوصات الطبية، فوجئنا بأن الشاب السوداني يكتب في تقريره أن المريض يحتاج إلى مسح ذري، وأن إجراء العملية قد يستغرق شهرين. شهران كاملان ينتظر خلالهما المريض، بينما يتزايد الألم وتتصاعد المخاوف من المضاعفات!

كتب تقريره المشؤوم، بحسب ما عايشناه، دون أن نحصل على إجابة واضحة عن سبب تأجيل التدخل الجراحي، أو عن المسؤولية الطبية تجاه حالة تحتاج إلى تقييم عاجل وقرار حاسم.

وتبدأ الرحلة الثانية مع معهد ناصر، بقيادة السعيد، الذي قدم مبررات رأينا فيها محاولة للتنصل من مسؤولية علاج المريض، رغم حاجته إلى الرعاية الطبية.

لكن المفاجأة أن الأمر بدا وكأنه صراع بين حواس والسعيد: من يستطيع إلقاء المسؤولية على الآخر؟ ومن ينجح في إبعاد المريض عن مستشفاه؟

كل منهما، كما عايشت الموقف، دفع المريض بعيدًا بدلًا من أن يتخذ الإجراءات الطبية اللازمة لإنقاذه. حواس، من خلال تواصل هاتفي، رفض قبول الحالة، والسعيد قدم مبررات لم تقنعنا بوجود حل طبي واضح.

وفي المقابل، يواصل الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة، الإدلاء بتصريحات عن الخدمات الطبية العالمية التي حققتها المنظومة الصحية. لكن الواقع الذي رأيناه يكشف صورة مختلفة داخل بعض المستشفيات الحكومية؛ صورة تختلط فيها معاناة المرضى بغياب المسؤولية، وتُهان فيها كرامة المواطن، دون أن يجد من يسمع أنينه أو يضع حدًا لمعاناته.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى شركات الأمن التي وجدناها تتحكم في دخول المواطنين وطريقة تعاملهم مع المستشفى. فمن يحاول رفع صوته مطالبًا بحقه، يسمع عبارة: «أنت تحت طائلة القانون».

وهنا أسأل: أليس المواطن صاحب الحق في العلاج؟ أليس من حقه أن يسأل عن مصير مريضه، وأن يطالب بمقابلة المسؤول، وأن يحصل على إجابة واضحة بدلًا من أن يجد نفسه في مواجهة حواجز أمنية؟

لقد أصبحت أقسام في مستشفى الهلال ومعهد ناصر، وفق ما شهدناه، تبدو وكأنها تُدار من خلال متدربين أو أطباء لا يملكون صلاحيات اتخاذ القرار، بينما القرار الحقيقي ينتظر موافقة «سيد الواتساب»؛ ذلك الذي يحدد، من بعيد، ما إذا كان المريض سيحصل على الرعاية أم سيظل يئن من الألم اويطرد خارج المستشفي دون رجعه!

لا نرى إلا تصريحات وزير الصحة التي تجعلنا نعيش في عالم من الخيال، بينما يعيش المواطن المصري البسيط واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا يبحث فيه عن العلاج بين أقسام حواس، أقصد مستشفى الهلال، وطوارئ السعيد، أقصد معهد ناصر.

ويبقى السؤال: هل سيظل عبد الغفار يطالعنا يوميًا عبر الموقع الرسمي لوزارته ببيانات وردية تصطدم بالواقع المرير الذي يعيشه المرضى؟ أم أن هناك من سيتحرك ليرى ما يحدث خلف أبواب المستشفيات؟

الإجابة الآن لدى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الذي ننتظر منه التدخل لوقف الفجوة بين البيانات الرسمية والواقع، ومراجعة ما جرى، وحماية حق المصريين في الحصول على العلاج دون إهانة أو تعطيل أو تنصل من المسؤولية.

وفي نهاية القصة، وبعد رحلة «السبع دوخات» بين حواس في مستشفى الهلال والسعيد في معهد ناصر، عاد المريض إلى منزله يحمل أنينه وألمه وانكساره وإهانته، وسط مخاوف من مضاعفات شديدة الخطورة على صحته.

عاد إلى المنزل، لكن من يعيد إليه حقه في العلاج؟ ومن يتحمل مسؤولية ما جرى؟ وكيف يطمئن المواطن إلى منظومة صحية يجد فيها نفسه مضطرًا إلى مطاردة المسؤولين، بدلًا من أن يسارعوا هم إلى إنقاذه؟

أطباء أصبح «الواتساب» حاضرًا في مشهد اتخاذ القرار، ومديرو مستشفيات غابت عنهم، في تجربتنا، أبسط معاني المسؤولية والرحمة التي يفترض أن تكون أساس العمل الطبي.

ويبقى السؤال الذي لا أجد له إجابة: من يحنو على المصريين في أوجاعهم وأنينهم؟ ومن يحمي كرامتهم الصحية المهدرة على باب عبد الغفار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى