الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب: « هل أصبحت الضحكة غالية والنكد سهل ورخيص »

في زمن تتسابق فيه الفضائيات لجذب المشاهدين بشتى سبل البهجة، وتفتيت الهموم اليومية بجرعات من الابتسامة والكوميديا، جاء القرار الهادئ وغير المعلن صخبا ليثير شجنا عميقا في وجدان المشاهد المصري: إغلاق قناة النيل كوميدي، والإبقاء على شقيقتها النيل دراما خطوة قد يراها البعض مجرد إجراء إداري لإعادة هيكلة الخرائط، لكنها في عيون عشاق الزمن الجميل والمتابعين البساط تبدو أكبر بكثير؛ فهي تطرح تساؤلا موجعا يحمل طابعا فلسفيا ووطنيا خفيفا. هل أصبحت الضحكة الخالصة سلعة نادرة وغالية في بلد كان يوما مصنعا للبهجة، بينما صار النكد والدراما الثقيلة هما الخيار السهل والرخيص!
ماسبيرو حارس الذاكرة
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور التاريخي للتليفزيون المصري وماسبيرو منذ تشكيلة في عام 1960 في تشكيل وجدان الأمة العربية كانت الشاشة الصغيرة نافذة تجمع العائلة المصرية بكل أجيالها؛ الأب والأم والأبناء، على مائدة واحدة من الكوميديا الراقية أفلام عبدالفتاح القصري وزينات صدقي و وداد حمدي و حسن فايق ومن مسرحيات فؤاد المهندس وشويكارعبدالمنعم مدبولي محمد صبحي نجاح الموجي وسعيد صالح وعادل إمام، مرورا بفوازير شريهان ونيللي، وصولا إلى الاسكتشات الخفيفة التي كانت تزرع البسمة بلا ابتذال ولا صراخ .وعندما انطلقت قنوات النيل المتخصصة، كانت النيل كوميدي بمثابة المتنفس اليومي للمواطن البسيط العائد من رحلة شقاء يومية، يبحث عن وجه سمير غانم، أو قفشات إسماعيل ياسين، أو كوميديا عبدالمنعم إبراهيم وعلاء ولي الدين وهنيدي، ليغسل بها غبار التعب فأن تختفي هذه القناة بهذا الشكل المثير للتساؤل، فهذا ليس مجرد غياب تردد، بل هو تقليص لمساحة الأكسجين الضاحك المتاحة للناس. الدراما أفيون الشجن المستدام!
على الجانب الآخر، بقيت النيل دراما تحلق وحدها في سماء المتخصصة، ولا شك أن الدراما المصرية لها ثقلها وعراقتها، لكن الملاحظ أن غالبية الأعمال المعروضة حاليا ، وخصوصا الكلاسيكيات التي تعاد ، تميل أحيانا إلى التراجيديا، والمآسي العائلية، والقصص التي تعج بالدموع والصراخ والمكايد يبدو الأمر وكأن صانعي القرار يعتقدون أن المواطن المصري لا يرتوي إلا بالدراما الثقيلة والنكد المستدام، وكأن الشاشة تقول لنا الدموع متاحة ومجانية، أما الضحكة الصافية فتكاليفها عالية، أو لعلها لم تعد من الأولويات وهنا يكمن المفارقة المؤلمة فالشعب المصري بطبعه وتاريخيا، عرف بخفة ظله وقدرته الفذة على صناعة النكتة من رحم الأزمات.
ان الضحكة بالنسبة للمصري لم تكن ترفا يوما، بل كانت وسيلة بقاء ومقاومة ضد قسوة الظروف وصعوبات الحياة فكيف يعاقب الشعب بحرمان شاشته الوطنية الرسمية من قناة مخصصة بالكامل للكوميديا والبهجة!
رسالة محب
أعيدوا البسمة إلى ماسبيرو إننا لا نكتب هذه السطور من باب الجلد أو الهجوم، بل من منطلق الغيرة الوطنية الصادقة على مؤسساتنا العريقة وفي مقدمتها التليفزيون المصري إن الضحكة ليست عيبا، والكوميديا الراسخة في وجداننا ليست ترفيها عابرا، بل هي “قوة ناعمة” لا تقل أهمية عن نشرات الأخبار والبرامج الجادة فليت المسؤولين في ماسبيرو يراجعون هذا القرار بروح الأبوة والمحبة للمشاهد البسيط امنحوا الناس فرصة ليتنفسوا بعمق، ولا تجعلوا النكد هو البضاعة الوحيدة السهلة والرخيصة المتوفرة على الرفوف عودوا بنا إلى زمن كانت فيه الشاشة المصرية تبتسم لنا.
فما أشد حاجتنا اليوم إلى بسمة صادقة تضيء البيوت المصرية من جديد!









