الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب: «فوضى اللوحات الإعلانية.. وأمان المصريين»

تشهد البنية الأساسية لشبكات الطرق والمحاور في مصر نقلةً نوعيةً غير مسبوقة على مدار السنوات الأخيرة؛ فقد أصبحت الشرايين المرورية تمثل أيقونةً للتحديث والتنمية العمرانية. إلا أن هذا الإنجاز الهائل يواجه تحديًا خفيًا يزحف ببطءٍ ليلتهم جزءًا كبيرًا من هذا البهاء البصري والأمني، متمثلًا في «العشوائية الإعلانية» المفرطة على الطرق الرئيسية والداخلية والكباري.

وبينما تسعى الدولة لترسيخ معايير جودة الحياة، تحولت بعض الشوارع إلى لوحاتٍ صاخبةٍ تتقاطع فيها المصالح التجارية مع حقوق المواطنين الأساسية في الأمان والسلامة والذوق العام.

توجيهات رئاسية حاسمة: الإنسان أولًا

تنطلق رؤية الدولة المصرية، استنادًا إلى توجيهات  الرئيس عبد الفتاح السيسي الدائمة، من مبدأ جوهري مفاده أن المواطن المصري وسلامته وأمنه على الطريق هي الغاية القصوى.

لقد أكدت القيادة السياسية مرارًا وتكرارًا أن الاستثمارات الضخمة التي أُنفقت على قطاع الطرق والنقل لا يجب أن يُهدر عائدها الأمني والحضاري بسبب مظاهر الإهمال أو الفوضى البصرية. من هنا تأتي الحاجة الملحة لوقفةٍ حاسمةٍ تُراجع انتشار اللوحات الإعلانية؛ لضمان أن تبقى الطرق آمنةً وإنسانيةً ومطابقةً لأرقى المعايير العالمية.

التلوث البصري واغتيال المظهر الحضاري

تاريخيًا وحضاريًا، تمتلك مصر هويةً بصريةً فريدةً تستوجب الارتقاء بها لا تشويهها. غير أن التكاثر العشوائي للوحات الإعلانية الضخمة والمضيئة أسهم بشكل مباشر في خلق حالةٍ من التلوث البصري المزعج.

لم تعد الشوارع والمحاور تتيح للمواطن فرصةً للاستمتاع بتنسيق إنجازات البنية التحتية، بل غدت المحاور أشبه بأسواقٍ مغلقةٍ تعاني من تكدس اللوحات المتعارضة في ألوانها وأحجامها، مما يمس بشكل مباشر بروح المدن المصرية وهويتها البصرية والحضارية.

حجابٌ يتربص بالسلامة: حجب العلامات الإرشادية والضوئية

من الناحية الفنية والهندسية، وُضعت العلامات الإرشادية والتحذيرية والإشارات الضوئية وفق دراساتٍ مروريةٍ دقيقةٍ لتوجيه السائق وإخباره بالمحاور والتقاطعات والسرعات المقررة. ولكن أدى التوغل العشوائي للوحات الإعلانية إلى كارثةٍ هندسيةٍ تتمثل في حجب الرؤية كليًا أو جزئيًا عن الإشارات الضوئية واللوحات الإرشادية الهامة.

يجد السائق نفسه فجأةً أمام مفترق طرقٍ خطيرٍ أو منحنى حادٍّ دون سابق إنذارٍ بصري؛ لأن لوحةً إعلانيةً عملاقةً قد غطت الإشارة المرورية التي تحذره، وهو ما يُعد سببًا مباشرًا لحوادث مرورية فادحةٍ ووقوع حوادث مأساويةٍ كان بالإمكان تفاديها.

إعلانات الفيديو الرقمية: مشتتات قاتلة

تمثل اللوحات الرقمية المعتمدة على تقنيات الفيديو والصور المتحركة والوميض الساطع خطرًا مضاعفًا على السلامة المرورية. تشير الدراسات العلمية المتخصصة في السلوك البشري وعلم النفس العصبي إلى أن الإضاءة المتغيرة السريعة والحركات الجذابة على شاشات العرض الكبيرة تسحب انتباه السائق اللاإرادي وتسبب شتاتًا ذهنيًا وبصريًا يُفقد السائق القدرة على رد الفعل السريع في المواقف الطارئة.

هذا التشتت لا يقتصر أثره على قائدي المركبات فحسب، بل يمتد ليشمل المارة وعابري الطرق الذين يتعرضون لمخاطر الدهس نتيجة انشغال السائقين بمتابعة المحتوى الإعلاني المتحرك. ولقد شهدت الطرق حوادث أليمةً ومؤسفةً أثبتت التحقيقات المرورية أن العامل البصري المشتت للإعلانات كان سببًا رئيسيًا فيها.

استهلاك الطاقة في زمن الترشيد البيئي والاقتصادي

إلى جانب الأبعاد المرورية والحضارية، تبرز إشكالية استهلاك الطاقة. ففي وقتٍ تتبنى فيه الدولة المصرية والعالم بأسره استراتيجياتٍ صارمةٍ لترشيد استهلاك الكهرباء والطاقة لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية العالمية.

تستنزف مئات الشاشات الرقمية واللوحات المضيئة طاقةً كهربائيةً هائلةً على مدار الساعة، وغالبًا دون انقطاعٍ أو تنظيمٍ زمنيٍّ يتماشى مع أوقات الذروة وانخفاض الحركة المرورية، وهو ما يتناقض مع توجهات الدولة نحو التنمية المستدامة والكفاءة في إدارة الموارد.

نحو تنظيم حاسم ومستدام

إن التعامل مع ملف إعلانات الطرق لا يقتصر على كونها موردًا اقتصاديًا فحسب، بل يجب أن يُدار بمعادلةٍ دقيقةٍ توازن بين العائد الاستثماري والأمن القومي المروري والحضاري. إن تفعيل القوانين بحزمٍ، واستخدام التكنولوجيا الذكية لتنظيم أوقات إضاءة الشاشات، وإزالة كافة اللوحات المخالفة التي تحجب الرؤية الإشارية أو تشكل خطرًا على الأرواح.

بات ضرورةً حتميةً. إن حماية أرواح المواطنين المصريين والحفاظ على المظهر الحضاري للطرق هما خطان أحمران لا يمكن التنازل عنهما، وتنفيذ توجيهات القيادة السياسية في هذا الشأن هو السبيل الوحيد لبناء بيئةٍ مروريةٍ آمنةٍ وعصريةٍ تليق بمصر المستقبل.

قصيدة للشاعر خليل مطران عن مصر

أَيُّ الدِّيَارِ كَمِصْرَ مَا بَرِحَتْ ** رَوْضًا بِهَا يَتَقَيَّدُ الظُّعُنُ

فِيهَا الصَّفَاءُ وَمَا بِهِ كَدَرٌ ** فِيهَا السَّمَاءُ وَمَا بِهَا غَصَنُ

مِصْرُ الَّتِي لَيْسَتْ مَنَابِتُهَا ** خِلَسًا وَمَا فِي مَائِهَا أَسَنُ

مِصْرُ الَّتِي أَبَدًا حَدَائِقُهَا ** غَنَّاءُ لَا يَعْرَى بِهَا غُصُنُ

مِصْرُ الَّتِي أَخْلَاقُ أُمَّتِهَا ** زَهْرٌ سَقَاهُ العَارِضُ الهَتِنُ

مِصْرُ الَّتِي أَخْلَاقُهَا حُفُلٌ ** وَيَدِرُّ الشُّهْدُ وَاللَّبَنُ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى