رامي زهدي يكتب :« أفريقيا من اقتصاد المساعدات والديون إلى اقتصاد تعبئة الثروة والاستثمار»
خبير الشؤون الإفريقية ونائب رئيس حزب الوعي

لم تعد معضلة التنمية في أفريقيا مرتبطة فقط بنقص الموارد أو محدودية التمويل، بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة القارة على إدارة ثرواتها، وتعبئة مدخراتها، وتحويل ما تمتلكه من أصول وإمكانات إلى استثمارات منتجة ومستدامة، فالقارة التي تختزن نسبة كبيرة من الثروات الطبيعية والمعادن الاستراتيجية والأراضي الزراعية والموارد البشرية، لا تزال تواجه فجوة تمويلية ضخمة، وتجد نفسها في كثير من الأحيان بين ضغوط الاقتراض الخارجي وشروط المساعدات الدولية وتقلبات تدفقات الاستثمار الأجنبي.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تحتاج أفريقيا إلى مزيد من الأموال فقط، أم أنها تحتاج بالأساس إلى نموذج اقتصادي ومؤسسي أكثر كفاءة يستطيع توظيف الأموال والثروات الموجودة بالفعل؟
تشير تقديرات بنك التنمية الأفريقي في تقرير الآفاق الاقتصادية الأفريقية لعام 2026 إلى أن فجوة تمويل التنمية في القارة تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار سنويا، لكن التقرير يلفت في المقابل إلى إمكانية تعبئة ما يصل إلى 1.43 تريليون دولار إضافية سنويا من خلال تحسين إدارة الموارد المحلية ورفع كفاءة استخدامها، وهذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست أزمة موارد فحسب، بل أزمة تعبئة وتوجيه وإدارة، وأن جزءا مهما من التمويل المطلوب يمكن أن يأتي من داخل القارة إذا توافرت السياسات والمؤسسات القادرة على ذلك.
بينما، تمتلك المؤسسات المالية الإفريقية، بما فيها صناديق التقاعد والتأمين والمؤسسات الاستثمارية، أصولا تتجاوز قيمتها أربعة تريليونات دولار، ومع ذلك لا تتجه سوى نسبة محدودة من هذه الأصول إلى تمويل الاستثمارات المحلية طويلة الأجل، كما تشير تقديرات التقرير إلى وجود نحو 469 مليار دولار من الإيرادات العامة غير المستغلة بسبب ضعف الامتثال الضريبي ومحدودية كفاءة الإدارة والسياسات المالية، فضلا عن خسائر كبيرة في الإنفاق والاستثمار العام نتيجة ضعف التخطيط والتنفيذ والحوكمة.
وهذا يعني أن أفريقيا لا ينبغي أن تنظر إلى التمويل باعتباره مجرد أموال تأتي من الخارج، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تبدأ من تحصيل الإيرادات العامة بكفاءة، وتمر بتوجيه المدخرات المحلية، وتنتهي بإنشاء مشروعات إنتاجية قادرة على خلق القيمة وفرص العمل وتعزيز القدرة التنافسية.
وتظل الضرائب أحد أهم مفاتيح هذا التحول، فمتوسط نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي في 36 دولة أفريقية بلغ نحو 16% عام 2022، وفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأفريقي ومنتدى إدارات الضرائب الأفريقية، وهي نسبة تعكس مساحة واسعة لتحسين كفاءة التحصيل، وتوسيع القاعدة الضريبية، ودمج قطاعات من الاقتصاد غير الرسمي، دون تحميل الفئات الأكثر هشاشة أعباء إضافية، فالمطلوب ليس زيادة الضرائب بصورة آلية، وإنما بناء نظام عادل وفعال يربط بين الالتزام الضريبي وجودة الخدمات العامة والثقة في المؤسسات.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تكلفة الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي، فقد بلغ رصيد الدين الخارجي لدول أفريقيا جنوب الصحراء نحو 901 مليار دولار في عام 2024، بينما استحوذ سداد خدمة الدين على نحو 17% من عائدات الصادرات و5% من الدخل القومي الإجمالي، وفقا للبنك الدولي، وهذه الأرقام لا تعني أن الاقتراض مرفوض في ذاته، فالتمويل الخارجي قد يكون ضروريا لتمويل البنية الأساسية والمشروعات الكبرى، لكنها تعني أن الاقتراض يفقد جدواه عندما لا يتحول إلى طاقة إنتاجية أو صادرات أو عوائد اقتصادية تتناسب مع تكلفته.
ومن هنا تبرز أهمية توظيف المدخرات الإفريقية والمؤسسات المالية المحلية، وعلى رأسها صناديق التقاعد والتأمين، باعتبارها مصادر تمويل طويلة الأجل يمكن أن تسهم في بناء مشروعات الطاقة والنقل والصناعة والزراعة والإسكان والبنية الرقمية، غير أن ذلك يتطلب أطر حوكمة صارمة، وأدوات استثمار متنوعة، وأسواقا مالية أكثر عمقا وشفافية، حتى لا تتحول هذه الأصول إلى مصدر لمخاطر مالية أو استثمارات غير مدروسة.
كما تمثل تحويلات الأفارقة العاملين بالخارج موردا مهما ينبغي الانتقال به من الاستخدام الاستهلاكي وحده إلى المشاركة في التنمية، فالمغتربون الأفارقة لا يملكون الأموال فقط، بل يمتلكون أيضا الخبرات والعلاقات والمعرفة بالأسواق الدولية، ويمكن للحكومات والمؤسسات المالية تطوير أدوات مثل سندات الاغتراب وصناديق الاستثمار المشتركة ومنصات تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يتيح توجيه جزء من هذه التدفقات إلى قطاعات إنتاجية، مع توفير ضمانات الشفافية وحماية المستثمرين.
ولا يقل ملف الثروة الطبيعية أهمية عن ذلك، فامتلاك أفريقيا احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية والنفط والغاز والموارد الزراعية لا يضمن وحده تحقيق التنمية، القيمة الحقيقية تتحقق عندما تنتقل الدول من تصدير المواد الخام إلى التصنيع المحلي، وإقامة سلاسل قيمة إقليمية، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمعادن والطاقة والمنتجات الزراعية، فالقارة التي تصدر المواد الأولية ثم تستورد المنتجات المصنعة تظل تتنازل عن جزء كبير من القيمة المضافة وفرص العمل والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، تكتسب منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية أهمية تتجاوز مجرد خفض الرسوم الجمركية؛ فهي فرصة لبناء سوق واسعة تساعد على توسيع الإنتاج وتكامل الصناعات وتحسين حركة السلع ورؤوس الأموال، لكن التجارة البينية لا تزال دون الإمكانات المتاحة، إذ بلغت حصة الصادرات داخل القارة نحو 14.6% من إجمالي صادراتها في عام 2024، وفقا لبيانات الاتحاد الأفريقي، وهو ما يؤكد ضرورة تطوير الممرات اللوجستية، وشبكات النقل، وأنظمة الدفع والتسوية المالية، وتوحيد الإجراءات والمعايير التجارية.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فينبغي ألا تقاس أهميته بحجم التدفقات المالية وحده، وإنما بنوعية المشروعات التي يمولها، ومدى مساهمتها في نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الصادرات، فقد شهدت أفريقيا تدفقات استثمارية مرتفعة خلال عام 2024، تأثرت بصفقة تمويلية استثنائية كبيرة في مصر، بينما تراجعت التدفقات في عام 2025 إلى نحو 70 مليار دولار وفقا لتقديرات الأونكتاد، وهذا التذبذب يوضح أن الاعتماد على صفقات ضخمة أو استثمارات استثنائية لا يصنع وحده قاعدة استثمارية مستقرة؛ المطلوب بيئة مؤسسية وقانونية واضحة، ومشروعات قابلة للتمويل، وأسواق قادرة على استيعاب الاستثمارات طويلة الأجل.
وبالنسبة لمصر، فإن التحول نحو اقتصاد إفريقي أكثر اعتمادا على تعبئة الموارد الذاتية يفتح مجالا واسعا لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، ليس فقط من خلال زيادة التبادل التجاري، وإنما عبر المشاركة في بناء مشروعات الإنتاج والتصنيع والطاقة والنقل والاتصالات والخدمات المالية، وتمتلك الشركات المصرية خبرات يمكن توظيفها في الأسواق الأفريقية، كما تستطيع مصر أن تلعب دورا في ربط التمويل والخبرات والأسواق، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويحقق مصالح متبادلة.
والانتقال من اقتصاد المساعدات والديون إلى اقتصاد تعبئة الثروة والاستثمار لا يعني الانغلاق عن العالم، ولا رفض القروض أو الاستثمارات الأجنبية، وإنما إعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح الموارد المحلية هي القاعدة، ويأتي التمويل الخارجي مكملا لها، لا بديلا عنها أو قيدا على القرار الاقتصادي، وهو انتقال يتطلب إصلاحا مؤسسيا، ومكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز استقلالية المؤسسات المالية، وتطوير الكفاءات البشرية والتكنولوجية.
أفريقيا لا تحتاج فقط إلى أن تقنع العالم بفرصها الاستثمارية، بل تحتاج إلى أن تعيد اكتشاف قدرتها على تمويل مستقبلها من داخل ثرواتها ومدخراتها وأسواقها، فالمعيار الحقيقي لقوة الاقتصاد لم يعد حجم ما يحصل عليه من مساعدات أو قروض، وإنما قدرته على تحويل موارده إلى إنتاج، وإنتاجه إلى قيمة مضافة، وقيمته المضافة إلى تنمية مستدامة.
ومستقبل القارة لن تصنعه الأموال التي تنتظر وصولها، بقدر ما ستصنعه المؤسسات التي تعرف كيف تعبئ ما لديها، وتحميه، وتستثمره، وعندما تنتقل أفريقيا من موقع الباحث عن التمويل إلى موقع صانع التمويل، فإنها لن تكون قد غيرت أدوات التنمية فقط، بل ستكون قد بدأت في إعادة صياغة موقعها داخل الاقتصاد العالمي.









