«مرصد الذهب»: من 5.1 مليار إلى مليار دولار.. ماذا تكشف إعادة تسعير «دي بيرز» عن أزمة الألماس الطبيعي؟

تقترب شركة أنجلو أمريكان (Anglo American) من بيع حصتها البالغة 85% في شركة دي بيرز (De Beers)، في صفقة يجري تداول قيمتها عند نحو مليار دولار، وفق تقارير صحفية نقلت عن مصادر مطلعة على المفاوضات.
وتأتي الصفقة المحتملة بعد أكثر من 15 عامًا من دفع أنجلو أمريكان نحو 5.1 مليار دولار عام 2011 للاستحواذ على حصة إضافية قدرها 40% من عائلة أوبنهايمر، لترفع ملكيتها في دي بيرز إلى 85%.
ويرى «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن الفارق الكبير بين الرقمين لا يمثل وحده دليلًا على انخفاض قيمة دي بيرز بنسبة محددة، لكنه يكشف عن التحولات العميقة التي شهدتها اقتصاديات الألماس الطبيعي خلال السنوات الماضية.
وتتمثل أبرز هذه التحولات في تراجع الأسعار والطلب، وتراكم المخزونات، إلى جانب الصعود القوي للألماس المصنع مخبريًا، الذي فرض تحديًا جديدًا على نموذج صناعة الألماس الطبيعي.
من 12.75 مليار إلى 1.18 مليار دولار
وبالحساب النظري، فإن دفع 5.1 مليار دولار مقابل 40% من دي بيرز في 2011 يعادل قيمة ضمنية للشركة بالكامل عند نحو 12.75 مليار دولار.
وفي المقابل، فإن تقييم حصة 85% عند نحو مليار دولار يضع القيمة الضمنية لـ100% من الشركة عند حوالي 1.18 مليار دولار.
لكن هذه المقارنة تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ لأن الصفقتين لا تتعلقان بالحصة نفسها، كما تختلف ظروف السوق وشروط كل صفقة.
لذلك، فإن الفارق الحسابي يعكس إعادة تسعير حادة لأعمال دي بيرز، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات انخفاض القيمة الاقتصادية للشركة بنسبة 90.8%.
المليار دولار ليس سعر البيع النهائي
ولا يزال رقم المليار دولار تقييمًا متداولًا للصفقة، وليس سعرًا نهائيًا معلنًا، إذ لم تكتمل عملية البيع حتى الآن.
وكانت أنجلو أمريكان قد أعلنت في 2024 رغبتها في التخارج من دي بيرز ضمن خطة لإعادة ترتيب محفظتها والتركيز على أنشطة أخرى، في ظل تراجع سوق الألماس.
وفي يوليو 2026، أفادت تقارير بأن الشركة اختارت ائتلاف الألماس العالمي (Global Diamond Consortium)، بقيادة الرئيس التنفيذي السابق لدي بيرز غاريث بيني، كمشترٍ مفضل لحصتها.
وتملك حكومة بوتسوانا الحصة المتبقية البالغة 15% في دي بيرز، مع امتلاكها حق الأولوية في التعامل مع الحصة المعروضة للبيع.
ومن المتوقع إتمام الصفقة في الربع الأخير من 2026، حال استيفاء الموافقات والشروط المطلوبة.
وبالتالي، فإن المليار دولار يمثل في الوقت الراهن إشارة إلى مستوى التقييم الذي يواجهه الأصل في السوق، وليس قيمة نهائية مؤكدة للشركة.
إيرادات دي بيرز تهبط من 6.2 مليار إلى 3.5 مليار دولار
تكشف النتائج المالية جانبًا مهمًا من أسباب تحول دي بيرز إلى أصل أقل جاذبية بالنسبة إلى مالكها الحالي.
فقد تراجعت إيرادات الشركة من ذروة بلغت نحو 6.2 مليار دولار في 2022 إلى حوالي 3.5 مليار دولار في 2025.
وفي الوقت نفسه، سجل نشاط الألماس خلال 2025 خسارة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغت 511 مليون دولار، مقابل خسارة قدرها 25 مليون دولار في 2024.
ويعني ذلك أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بانخفاض الإيرادات، وإنما امتدت إلى قدرة النشاط التشغيلي على تحقيق الأرباح.
وأوضحت بيانات أنجلو أمريكان أن الخسائر ارتبطت بدرجة كبيرة بإعادة توازن المخزونات، بعدما باعت الشركة مخزونات اشترتها سابقًا بأسعار أعلى، ما أدى إلى خسائر تداول بلغت نحو 424 مليون دولار في 2025.
كما سجلت أنجلو أمريكان انخفاضًا في قيمة دي بيرز بقيمة 2.3 مليار دولار قبل الضرائب في 2025، ليصل إجمالي القيمة الدفترية للأعمال إلى نحو 2.3 مليار دولار، منها 1.9 مليار دولار تخص حصة أنجلو أمريكان.
وأرجعت الشركة هذا التخفيض إلى انخفاض توقعات أسعار الألماس، وتغير تفضيلات المستهلكين بين الألماس الطبيعي والمصنع مخبريًا، فضلًا عن وجود فائض من الألماس الخام مقارنة بالطلب.
2026.. الإنتاج يقفز 46% والأسعار تهبط 32%
تقدم بيانات النصف الأول من 2026 صورة أكثر وضوحًا لطبيعة الأزمة.
فقد ارتفع إنتاج دي بيرز إلى 14.914 مليون قيراط، مقابل 10.214 مليون قيراط خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 46%.
لكن متوسط السعر المحقق للألماس الخام انخفض في المقابل بنسبة 32% إلى 105 دولارات للقيراط، مقابل 155 دولارًا خلال النصف الأول من العام السابق.
كما تراجعت قيمة مبيعات الألماس الخام الموحدة إلى 1.313 مليار دولار، مقابل 1.705 مليار دولار، بانخفاض بلغ 23%.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات السوق: الإنتاج يرتفع، بينما قيمة المبيعات تنخفض.
وفي الربع الثاني وحده، بلغت المبيعات الموحدة نحو 665 مليون دولار، مقابل 1.185 مليار دولار خلال الربع الثاني من 2025، بانخفاض 44%.
كما تراجع متوسط السعر من 174 دولارًا إلى 110 دولارات للقيراط، بانخفاض بلغ 37%.
في المقابل، انخفض حجم المبيعات الموحدة بنسبة 11% فقط، ما يعني أن الضغط السعري كان أقوى من تراجع الكميات.
وتشير هذه البيانات إلى أن السوق لا تعاني فقط من ارتفاع المعروض، وإنما من ضعف قدرة الطلب على استيعاب الألماس الخام عند مستويات الأسعار السابقة.
الألماس المصنع يضغط على قيمة الطبيعي
تزامن ذلك مع استمرار الألماس المصنع مخبريًا في تغيير معادلة السوق.
فالمنافسة لم تعد تقتصر على شركات تنتج الألماس الطبيعي، وإنما أصبحت بين منتجات تتقارب في خصائصها الأساسية، مع فارق سعري كبير لصالح الألماس المصنع.
وتقول دي بيرز إن الألماس المصنع مخبريًا واصل الضغط على الطلب على الألماس الطبيعي منخفض القيمة، خصوصًا في الفئات الأكثر حساسية للسعر.
وفي المقابل، ساعدت الأسعار الأقوى للأحجار مرتفعة القيمة على استقرار مؤشر الأسعار الإجمالي خلال النصف الأول من 2026.
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة لا تضرب جميع أنواع الألماس الطبيعي بالدرجة نفسها، وإنما تتركز بصورة أكبر في الفئات التي يصعب عليها تبرير علاوة سعرية كبيرة أمام البديل المصنع.
لماذا لا يكفي خفض الإنتاج؟
حاولت دي بيرز التعامل مع ضعف السوق من خلال خفض الإنتاج وإعادة ضبط المعروض.
وفي 2025، انخفض إنتاجها السنوي إلى 21.656 مليون قيراط، مقابل 24.712 مليون قيراط في 2024.
ومع ذلك، تراجع متوسط السعر المحقق إلى 142 دولارًا للقيراط، وتحولت الخسارة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك إلى 511 مليون دولار.
وفي 2026، أبقت الشركة مستهدف الإنتاج عند 21 إلى 26 مليون قيراط، مع استمرار مراقبة ظروف تجارة الألماس الخام لمواءمة الإنتاج مع الطلب.
كما أعلنت إجراءات صيانة وتخفيضات إنتاجية في عدد من المناجم خلال النصف الثاني من العام.
لكن خفض الإنتاج وحده لا يعالج المشكلة إذا ظل الطلب ضعيفًا والمخزونات مرتفعة والمنافسة السعرية من الألماس المصنع مستمرة.
ومن هنا يرى «مرصد الذهب» أن الأزمة الحالية تتجاوز اختلالًا مؤقتًا بين العرض والطلب، وتمتد إلى إعادة تعريف القيمة التي يدفع المستهلك مقابلها علاوة سعرية عند شراء الألماس الطبيعي.
من ندرة الألماس إلى قيمة الألماس
اعتمدت صناعة الألماس الطبيعي لعقود على الندرة والسيطرة على المعروض باعتبارهما عنصرين أساسيين لدعم الأسعار.
لكن صعود الألماس المصنع مخبريًا جعل الندرة وحدها أقل قدرة على حماية الأسعار، خصوصًا بالنسبة إلى الأحجار الأقل قيمة.
وبالتالي، قد يصبح مستقبل الألماس الطبيعي أكثر ارتباطًا بعناصر أخرى، مثل الندرة الفعلية والجودة ومصدر الحجر وإمكانية تتبعه والعلامة التجارية والقيمة العاطفية.
وهنا تكمن أهمية أزمة دي بيرز بالنسبة إلى الصناعة بأكملها؛ فالتحدي لم يعد فقط في استخراج الألماس وبيعه، وإنما في إقناع المستهلك بأن الألماس الطبيعي يستحق الفارق السعري.
ماذا يعني تقييم دي بيرز عند مليار دولار؟
إذا تمت الصفقة بالقرب من الرقم المتداول، فإن المشتري الجديد لن يحصل فقط على شركة تواجه ضغوطًا مالية، وإنما على مجموعة من المناجم والأصول والعلامة التجارية وشبكة واسعة في صناعة الألماس.
لكن انخفاض سعر الدخول لا يعني اختفاء المخاطر.
فالمستثمر الجديد سيحتاج إلى التعامل مع سوق تحتاج إلى تصريف المخزونات، واستعادة الطلب، وضبط الإنتاج، وتحسين الربحية.
والأهم من ذلك، سيكون عليه إعادة بناء الفارق في القيمة بين الألماس الطبيعي والمصنع مخبريًا.
لذلك، فإن نجاح الصفقة لن يتحدد بسعر الاستحواذ فقط، وإنما بقدرة المالك الجديد على تحويل التقييم المنخفض إلى نقطة انطلاق لإعادة هيكلة أعمال دي بيرز واستعادة قدرتها على خلق القيمة.
وتكشف صفقة دي بيرز المحتملة أن أزمة الألماس الطبيعي تتجاوز تراجع الأسعار في دورة سوقية مؤقتة، إذ ترتبط بتغير قواعد تحديد القيمة نفسها.
ومع صعود الألماس المصنع مخبريًا، وتراجع قدرة خفض الإنتاج وحده على دعم الأسعار، أصبحت صناعة الألماس الطبيعي أمام ضرورة إعادة بناء علاوتها السعرية على أساس الندرة الفعلية والجودة والمصدر والتتبع والقيمة العاطفية، وليس الندرة وحدها.
ومن هذه الزاوية، فإن الرقم المتداول عند مليار دولار لا يمثل مجرد سعر محتمل لبيع دي بيرز، وإنما اختبار لقدرة الصناعة على استعادة القيمة التي فقدتها خلال السنوات الأخيرة.
فإذا نجح المالك الجديد في إعادة تموضع الشركة حول الألماس الطبيعي الأعلى جودة والأكثر ندرة، فقد يتحول التقييم المنخفض إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء القيمة.
أما إذا استمرت الضغوط السعرية والمنافسة من الألماس المصنع، فقد يكون هذا الرقم انعكاسًا لتحول أعمق وطويل الأجل في اقتصاديات الألماس الطبيعي.
أبرز مؤشرات أزمة «دي بيرز»
| المؤشر | القيمة |
|---|---|
| قيمة شراء 40% إضافية في 2011 | 5.1 مليار دولار |
| القيمة الضمنية لـ100% في صفقة 2011 | 12.75 مليار دولار |
| التقييم المتداول لحصة 85% حاليًا | نحو مليار دولار |
| القيمة الضمنية لـ100% حاليًا | نحو 1.18 مليار دولار |
| إيرادات 2022 | 6.2 مليار دولار |
| إيرادات 2025 | 3.5 مليار دولار |
| خسارة 2025 قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك | 511 مليون دولار |
| إنتاج النصف الأول 2026 | 14.914 مليون قيراط |
| متوسط السعر في النصف الأول 2026 | 105 دولارات للقيراط |
| مبيعات النصف الأول 2026 | 1.313 مليار دولار |
الكلمات الدلالية:
Meta Description:









