من المدفوعات إلى الاستقرار المالي.. كيف يوسع البنك المركزي المصري حضوره في أفريقيا؟

لم يعد حضور البنك المركزي المصري في أفريقيا يقتصر على التعاون التقليدي بين البنوك المركزية، بل يمتد إلى ملفات أكثر ارتباطًا بحركة التجارة والاستثمار والاستقرار المالي، من تطوير أنظمة المدفوعات العابرة للحدود إلى تبادل الخبرات وبناء القدرات ودعم المبادرات الإقليمية.

ويتحرك البنك المركزي المصري عبر عدة مسارات تستهدف تعزيز التكامل الاقتصادي والمالي الأفريقي، بما يفتح المجال أمام تسهيل المدفوعات والتجارة البينية، وتقوية الروابط المصرفية، ودعم قدرة المؤسسات المالية الأفريقية على التعامل مع التحديات المشتركة.

المدفوعات العابرة للحدود في مقدمة التحرك المصري

يأتي تطوير البنية التحتية للمدفوعات في مقدمة الأدوات التي يعتمد عليها البنك المركزي المصري لتعميق التكامل المالي مع دول القارة.

ويعمل البنك على دعم استخدام أنظمة الدفع الإقليمية بما يسهم في تيسير حركة الأموال بين الدول وتقليل الوقت والتكلفة المرتبطين بالمعاملات العابرة للحدود، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على التجارة والاستثمار بين الأسواق الأفريقية.

كما تتجه الجهود إلى زيادة استفادة البنوك المصرية من البنية الإقليمية للمدفوعات، بما يعزز قدرتها على تنفيذ المعاملات مع نظرائها في الدول الأفريقية بصورة أكثر كفاءة.

PAPSS وREPSS يوسعان خيارات التجارة الأفريقية

يبرز نظام الدفع والتسوية الإفريقي PAPSS والنظام الإقليمي للمدفوعات والتسويات REPSS ضمن الأدوات التي يشارك البنك المركزي المصري في دعمها.

وانضم البنك المركزي المصري إلى PAPSS في نوفمبر 2024 بنموذج يسمح للبنوك المصرية بالمشاركة بصورة مباشرة، بما يتيح تمويل وتنفيذ المعاملات الإقليمية عبر الحدود مع البنوك المشاركة في النظام، بينما يعمل البنك كذلك على تعزيز استخدام REPSS داخل منظومة الكوميسا.

وتمنح هذه الأنظمة البنوك والشركات آليات إضافية لتنفيذ المدفوعات التجارية عبر الحدود، مع تقليل الاعتماد على بعض المسارات التقليدية للمعاملات الدولية.

التجارة والاستثمار يستفيدان من التكامل المالي

لا ينفصل تطوير أنظمة الدفع عن الهدف الأوسع المتمثل في زيادة التجارة والاستثمار بين الدول الأفريقية.

فكلما أصبحت المدفوعات العابرة للحدود أسرع وأكثر كفاءة، تحسن أحد العوامل الأساسية التي تواجه الشركات والمؤسسات المالية عند تنفيذ الصفقات بين أسواق مختلفة.

وفي هذا الإطار، ينسق البنك المركزي المصري مع مؤسسات مالية وقارية لدعم نفاذ الشركات المصرية إلى الأسواق الأفريقية وتوفير أدوات تساعد على تمويل التجارة والاستثمار، بما يعزز مشاركة القطاع الخاص في مشروعات التنمية بالقارة.

البنوك المصرية تبحث عن مساحة أكبر في الأسواق الأفريقية

يمثل توسيع الحضور المصرفي المصري في أفريقيا محورًا آخر في أجندة التكامل الاقتصادي، من خلال دعم العلاقات بين البنوك المصرية ونظيراتها الأفريقية، وتبادل الخبرات في المجالات المصرفية والمالية.

ويستهدف هذا المسار توفير قاعدة أكبر للتعاون بين المؤسسات المالية، وفتح قنوات جديدة أمام الشركات المصرية العاملة أو الراغبة في التوسع داخل أسواق القارة.

كما يشمل التعاون نقل الخبرات في مجالات متعددة، من بينها إدارة المخاطر، والاستقرار المالي، والشمول المالي، والرقمنة، بما يدعم بناء قدرات المؤسسات المصرفية الأفريقية.

مصر تدخل على خط الاستقرار المالي الأفريقي

يتجاوز الدور المصري ملف التجارة والمدفوعات إلى الاستقرار المالي على مستوى القارة.

فالبنك المركزي المصري ساهم في تأسيس لجنة الاستقرار المالي الإفريقية، وقاد إعداد أول تقرير للاستقرار المالي على مستوى أفريقيا، والذي شمل تحليل أوضاع 46 دولة تمثل نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة.

ويعكس هذا التحرك انتقال التعاون من تبادل الخبرات الثنائية إلى المشاركة في بناء أطر مؤسسية قارية تتعامل مع المخاطر المالية بصورة أكثر تنسيقًا.

تبادل الخبرات يتحول إلى أداة للتكامل

يرى البنك المركزي المصري أن التكامل المالي لا يقوم فقط على الأنظمة الإلكترونية أو حركة الأموال، وإنما يحتاج كذلك إلى تبادل المعرفة وبناء القدرات بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية.

ولهذا تتوسع مجالات التعاون في التدريب ونقل الخبرات وتطوير الأطر الرقابية والمصرفية، بما يساعد المؤسسات الأفريقية على التعامل مع التحولات الجديدة في القطاع المالي، ومنها الرقمنة والمخاطر المناخية والذكاء الاصطناعي ومكافحة غسل الأموال.

من التعاون المصرفي إلى شراكة اقتصادية أوسع

تضع هذه التحركات البنك المركزي المصري في مساحة تتقاطع فيها السياسة المصرفية مع أهداف أوسع تتعلق بالتجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي الأفريقي.

ولا يقتصر الهدف على تحسين حركة المدفوعات، وإنما يمتد إلى توفير بنية مالية تساعد الشركات والمستثمرين على العمل عبر الحدود، وتعزيز قدرة البنوك والمؤسسات المالية على بناء علاقات أكثر عمقًا داخل القارة.

ومع توسع أنظمة الدفع الإقليمية وارتفاع الاهتمام بالتجارة البينية الأفريقية، يصبح تطوير الروابط المصرفية والمالية أحد المسارات الرئيسية لدعم التكامل الاقتصادي، وهو المجال الذي يواصل البنك المركزي المصري توسيع مشاركته فيه على المستوى القاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى