وارش يضرب الذهب.. التضخم يتقدم على الوظائف والفائدة تعود إلى واجهة الأسواق

تعرضت أسعار الذهب لضغوط بيع قوية بعد خطاب كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في ندوة «جاكسون هول»، بعدما أكد أن التضخم يمثل مصدر قلق أكبر من تباطؤ سوق العمل، مشيرًا إلى أن معدل التضخم المفضل لدى البنك المركزي لا يزال عند 3.7%، مقابل مستهدف يبلغ 2%.

ودفعت تصريحات وارش الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأمريكية، ليتراجع سعر الذهب الفوري إلى نحو 4552 دولارًا للأوقية، منخفضًا بأكثر من 1% خلال تعاملات الجمعة، بعدما كان يتحرك فوق مستوى 4600 دولار.

التضخم يتفوق على الوظائف في حسابات الفيدرالي

ركز وارش في خطابه على ضرورة التأكد من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو مستهدف الاحتياطي الفيدرالي بسرعة ووضوح، مؤكدًا أن البنك سيضطر إلى التحرك إذا لم تتحقق هذه المسألة.

وتكشف هذه التصريحات تحولًا مهمًا في ترتيب أولويات السياسة النقدية، إذ بدا أن وارش يمنح مكافحة التضخم وزنًا أكبر من مخاطر تباطؤ سوق العمل، وهو ما عزز المخاوف من بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

الذهب يفقد 4600 دولار بعد خطاب وارش

وجاء رد فعل سوق الذهب سريعًا، مع عودة عمليات البيع بعد الخطاب، ليتراجع المعدن النفيس إلى ما دون مستوى 4600 دولار للأوقية.

وبلغ الذهب الفوري في آخر تداولاته نحو 4552 دولارًا للأوقية، منخفضًا بأكثر من 1% خلال الجلسة، في انعكاس مباشر لارتفاع توقعات الأسواق بشأن استمرار السياسة النقدية المتشددة.

سوق العمل لا يزال متوافقًا مع التوظيف الكامل

وفي مقابل المخاوف المتعلقة بالتضخم، قدم وارش تقييمًا أكثر إيجابية لسوق العمل الأمريكي، موضحًا أن معظم الراغبين في العمل ما زالوا يحتفظون بوظائفهم أو يجدون وظائف جديدة.

وأشار إلى وجود ضغوط في بعض الفئات، خصوصًا بين الخريجين الجدد، لكنه اعتبر أن أسواق العمل بصورة عامة لا تزال متوافقة مع التوظيف الكامل.

وتعني هذه الرؤية أن ضعف سوق العمل لم يصل، وفق تقييم وارش، إلى مستوى يفرض بالضرورة تحولًا سريعًا نحو خفض أسعار الفائدة.

تضخم 3.7% يضع الفيدرالي أمام اختبار صعب

استند وارش إلى استمرار ارتفاع التضخم، مشيرًا إلى أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، سجل 3.7% على أساس سنوي.

كما أشار إلى ارتفاع معدل التضخم خلال الأشهر الستة الماضية إلى نحو 4.1%، وهو ما يعكس استمرار ضغوط الأسعار بعيدًا عن المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي.

ويمثل بقاء التضخم فوق 2% لفترة طويلة أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرة الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية بسرعة.

وارش يرسل إشارة متشددة للأسواق

ورغم أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي لم يقدم توجيهات مباشرة بشأن القرار المقبل لأسعار الفائدة، فإن تركيزه على التضخم وسوق العمل والإنفاق الاستهلاكي فُسر باعتباره إشارة تميل إلى التشدد.

وقال آدم باتون، كبير محللي العملات والمدير التنفيذي لموقع «إنفستنج لايف»، إن تصريحات وارش تشير إلى ميل نحو رفع أسعار الفائدة، وهو ما يفسر جانبًا من رد الفعل السلبي السريع في سوق الذهب.

الإنفاق الاستهلاكي يمنح الفيدرالي مساحة للمناورة

ولم يبدِ وارش تشاؤمًا واسعًا بشأن النشاط الاقتصادي، رغم إشارته إلى وجود ضغوط في قطاعي الإسكان والزراعة.

وأوضح أن الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي ظل قويًا نسبيًا رغم الصدمات الاقتصادية، وارتفع بأكثر من 2% خلال الأرباع الأربعة الماضية، ما يشير إلى استمرار قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل مستويات الفائدة المرتفعة.

الدولار يستفيد والذهب يدفع الفاتورة

وتعمل تصريحات وارش عبر أكثر من قناة على الضغط على الذهب؛ فارتفاع احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائدًا.

كما أن تشدد السياسة النقدية يدعم الدولار عادة، وهو ما يجعل الذهب المقوم بالعملة الأمريكية أكثر تكلفة بالنسبة إلى المستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.

ولهذا أصبح مستوى 4600 دولار منطقة محورية للذهب، فيما قد يؤدي استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات إلى زيادة الضغوط على المعدن خلال الجلسات المقبلة.

الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة السياسة النقدية

وتطرق جيفري روتش، كبير الاقتصاديين في شركة «إل بي إل فاينانشال»، إلى تغير أوسع في بيئة السياسة النقدية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد يدخل مرحلة تتزايد فيها أهمية البيانات الحالية وإعادة تقييم بعض الافتراضات الاقتصادية.

ويرتبط ذلك جزئيًا بالتغيرات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وهو عامل قد يجعل تقييم النمو والتوظيف والتضخم أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى البنك المركزي.

الذهب أمام اختبار الفائدة والدولار

وتضع تصريحات وارش الذهب أمام اختبار مهم خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت البيانات الاقتصادية في إظهار تضخم أعلى من المستهدف وسوق عمل أكثر تماسكًا مما كان متوقعًا.

وفي المقابل، فإن ظهور مؤشرات واضحة على ضعف سوق العمل أو تراجع التضخم قد يعيد إحياء توقعات خفض أسعار الفائدة، وهو السيناريو الذي يمكن أن يمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من خسائره.

وبذلك لم يكن خطاب جاكسون هول مجرد حدث اقتصادي عابر بالنسبة إلى سوق الذهب، بل تحول إلى نقطة اختبار لتوقعات السياسة النقدية؛ فكلما زادت أولوية التضخم في حسابات الفيدرالي، ارتفعت احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة، بينما يظل الذهب تحت ضغط مباشر من الدولار والعوائد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى