الذهب يترقب لحظة الحسم.. ماذا سيقول وارش في جاكسون هول؟

ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف خلال تعاملات الخميس، لكنها بقيت في نطاق محدود، مع ترقب الأسواق خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في مؤتمر جاكسون هول يوم الجمعة، وسط تضارب إشارات التضخم الأمريكي وأسعار الفائدة والدولار وعوائد سندات الخزانة.

وبحلول الساعة 15:27 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، صعد سعر الذهب الفوري بنسبة 0.3% إلى 4607.41 دولارًا للأوقية، فيما ارتفعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.2% إلى 4660.56 دولارًا.

وتأتي الحركة الهادئة بعد موجة صعود قوية تجاوزت 5% خلال الأسبوع السابق، عندما استفاد الذهب من عمليات بيع حادة في سندات الخزانة الأمريكية وتراجع الدولار، وسط عودة المخاوف بشأن العجز والدين الأمريكي.

الذهب أمام اختبار وارش

تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى جاكسون هول، حيث يمثل خطاب وارش أول اختبار كبير لقدرته على توضيح رؤية الاحتياطي الفيدرالي بشأن المرحلة المقبلة من السياسة النقدية الأمريكية.

وتكتسب كلمة رئيس الفيدرالي أهمية استثنائية بعدما تجنب وارش خلال تصريحاته السابقة تقديم توجيهات واضحة بشأن أسعار الفائدة أو تحديد آلية محددة للتعامل مع التضخم.

وهذا الغموض أصبح مشكلة بالنسبة للأسواق، فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن معرفة ما إذا كان الفيدرالي سيخفض الفائدة في سبتمبر، وإنما يريدون معرفة كيف سيتصرف البنك المركزي إذا ظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف.

التضخم يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة

أظهرت بيانات الأربعاء ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي بنسبة 0.2% على أساس شهري و3.3% على أساس سنوي خلال يوليو.

ورغم توافق القراءة الأساسية مع التوقعات، فإن معدل التضخم السنوي لا يزال أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

وفي الوقت نفسه، لم تكن الصورة الاقتصادية كلها داعمة للتشدد النقدي، فالتقدير الثاني لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأمريكي خلال الربع الثاني استقر عند 1.5%، بينما أظهرت بيانات أخرى إشارات إلى تباطؤ مبيعات التجزئة والاستهلاك وفقدان سوق العمل بعض الزخم.

وهنا تكمن معضلة وارش: التضخم لم ينخفض بالسرعة الكافية، لكن الاقتصاد بدأ يُظهر بعض علامات التباطؤ.

النفط يدخل معادلة الذهب

لا يتحرك الذهب بمعزل عن سوق الطاقة، فقد ارتفعت أسعار النفط الخميس بعد تقارير عن رفض الولايات المتحدة العودة إلى مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها مع إيران في يونيو، ما أعاد المخاوف الجيوسياسية إلى الأسواق.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.2% إلى 88.85 دولارًا للبرميل.

ويعني ارتفاع النفط احتمال عودة ضغوط التضخم، وهو ما قد يزيد صعوبة مهمة الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة.

لكن المفارقة أن استمرار ارتفاع النفط بسبب التوترات الجيوسياسية قد يدعم الذهب من زاوية أخرى، باعتباره أصلًا للتحوط في أوقات عدم اليقين.

لذلك، فإن تأثير النفط على الذهب لن يكون آليًا؛ إذ يعتمد على ما إذا كانت الأسواق ستنظر إلى ارتفاع الطاقة باعتباره موجة تضخمية مؤقتة أم بداية ضغوط سعرية أكثر استمرارًا.

عوائد السندات تكشف الخطر الأكبر

تظل سوق سندات الخزانة الأمريكية أحد أهم مفاتيح حركة الذهب، فارتفاع العوائد طويلة الأجل يزيد جاذبية الأصول التي تمنح عائدًا، بينما يرفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدفع فائدة دورية.

لكن ارتفاع العوائد هذه المرة يحمل رسالة أوسع، فالمستثمرون لا يراقبون التضخم فقط، بل يراقبون أيضًا حجم الدين الأمريكي وتكاليف تمويله.

وقد تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي 40 تريليون دولار، بينما وصلت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل مؤخرًا إلى مستويات مرتفعة للغاية.

وهذا يخلق معادلة أكثر تعقيدًا أمام الفيدرالي ووزارة الخزانة؛ فمحاولة خفض العوائد قد تساعد الاقتصاد، لكنها قد تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول استقلال السياسة النقدية ومصداقية التعامل مع التضخم.

الدولار يدفع فاتورة الشكوك المالية

تراجع مؤشر الدولار بنحو 1% تقريبًا خلال الأسبوع السابق بالتزامن مع صعود الذهب والعملات المشفرة.

وهذا التحرك يعكس ما يعرف في الأسواق بـ«تجارة خفض قيمة العملة»، حيث يلجأ المستثمرون إلى أصول بديلة عندما تتزايد المخاوف بشأن القوة الشرائية للعملة والسياسة المالية.

والذهب يستفيد عادة من هذا السيناريو؛ فضعف الدولار يجعل المعدن المقوم بالعملة الأمريكية أقل تكلفة بالنسبة للمشترين من حائزي العملات الأخرى.

لكن الأهم أن صعود الذهب هنا لا يرتبط فقط بتوقعات خفض الفائدة، إنه يرتبط أيضًا بالسؤال الأكبر حول الثقة في السياسة المالية الأمريكية ومسار الدين والعجز.

الذكاء الاصطناعي يضيف ضغطًا جديدًا على السندات

وتزداد حساسية سوق السندات مع استمرار الشركات العملاقة في ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك زيادة الاحتياجات التمويلية في وقت تتعامل فيه الأسواق بالفعل مع مستويات مرتفعة من الدين الحكومي.

ومن ثم، فإن ارتفاع العوائد طويلة الأجل قد لا يكون مجرد انعكاس لتوقعات الفائدة قصيرة الأجل، بل قد يعكس أيضًا مخاوف أوسع بشأن العرض الهائل من الديون واحتياجات التمويل في الاقتصاد الأمريكي.

وهذه نقطة مهمة للذهب، لأن المعدن يستفيد تاريخيًا عندما تتحول المخاوف من التضخم إلى مخاوف أوسع بشأن الاستقرار المالي وقوة العملة.

ماذا يريد المستثمرون من وارش؟

يرى محللون أن وارش يستطيع استخدام خطاب جاكسون هول لتقديم تفسير أكثر وضوحًا للمعادلة التي تحكم قرارات الفيدرالي.

ومن بين السيناريوهات التي تراقبها الأسواق أن يشير إلى أن تباطؤ سوق العمل والاستهلاك يمنحان البنك المركزي مساحة للانتظار قبل اتخاذ قرار جديد.

هذا السيناريو قد يدعم الذهب إذا أدى إلى تراجع الدولار والعوائد، لكن الخطر الآخر يتمثل في أن يستخدم وارش استمرار التضخم لتأكيد أن خفض الفائدة ليس قرارًا مضمونًا ، وفي هذه الحالة قد ترتفع العوائد والدولار، بما يضع الذهب تحت ضغط أكبر.

الأسواق لا تريد خطابًا غامضًا

قال خوسيه توريس، كبير الاقتصاديين في «إنترأكتيف بروكرز»، إن موقف الاحتياطي الفيدرالي أصبح محوريًا في ظل محاولات البيت الأبيض ووزارة الخزانة التعامل مع ارتفاع العوائد طويلة الأجل.

وأشار إلى أن وارش قد يجد مبررات للانتظار في ضوء فقدان بعض الوظائف وتراجع مبيعات التجزئة وتباطؤ الاستهلاك.

لكن المشكلة، بحسب القراءة التي طرحها توريس، أن استخدام هذه البيانات بصورة تبدو وكأنها استجابة لضغوط الإدارة أو وول ستريت قد يضر بالدولار والسندات طويلة الأجل، إذا اعتبرت الأسواق أن واشنطن والفيدرالي لا يأخذان العجز المالي وضغوط التكلفة على محمل الجد.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية خطاب الجمعة، الأسواق لا تريد مجرد توقع لقرار سبتمبر؛ إنها تريد معرفة وظيفة رد الفعل لدى الفيدرالي.

الذهب بين سيناريو الصعود والضغط

يدخل الذهب جلسة خطاب وارش أمام مسارين رئيسيين ، المسار الأول: يقدم وارش رسالة تميل إلى الصبر، ويعترف بتباطؤ بعض مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، ما قد يدفع الأسواق إلى زيادة رهانات خفض الفائدة، ويضغط على الدولار والعوائد، وهو ما يمنح الذهب مساحة لاستئناف الصعود.

المسار الثاني: يركز رئيس الفيدرالي على استمرار التضخم، ويؤكد الحاجة إلى إبقاء السياسة النقدية مقيدة، ما قد يدفع العوائد والدولار إلى الارتفاع ويحد من مكاسب الذهب.

لكن هناك سيناريو ثالث أكثر تعقيدًا، فقد يوجه وارش رسالة متوازنة، يعترف فيها بتباطؤ الاقتصاد لكنه يرفض إعلان الانتصار على التضخم. وفي هذه الحالة قد يظل الذهب داخل نطاق عرضي إلى أن تصل بيانات اقتصادية جديدة تحسم اتجاه توقعات الفائدة.

لحظة الحقيقة للذهب

المهم في حركة الذهب الحالية أن المعدن لا يحتاج بالضرورة إلى خفض فائدة فوري حتى يواصل الصعود.

يكفي أن تتزايد الشكوك بشأن الدولار، أو أن تستمر مخاوف الدين الأمريكي، أو أن تتراجع العوائد الحقيقية، حتى يجد الذهب دعمًا إضافيًا.

وفي المقابل، فإن استمرار التضخم وارتفاع عوائد السندات يمثلان أكبر عقبتين أمام المعدن.

لذلك سيكون خطاب وارش أكثر من مجرد كلمة في مؤتمر اقتصادي، إنه اختبار لمصداقية السياسة النقدية الأمريكية في مرحلة تتداخل فيها ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: التضخم، والدين، والإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى