التعريفات الجمركية تعمي الفيدرالي.. غولسبي يكشف معضلة التضخم المتكرر

تواجه السياسة النقدية الأمريكية معضلة جديدة مع استمرار تأثير التعريفات الجمركية على الأسعار، بعدما تحولت من صدمة يُفترض أن تكون مؤقتة إلى سلسلة متتابعة من الزيادات السعرية، وهو ما يصعّب على الاحتياطي الفيدرالي تحديد ما إذا كان التضخم يتجه إلى التراجع أم يكتسب قوة دفع جديدة.
وحذر أوستن غولسبي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، من أن هذه البيئة أصبحت معقدة بالنسبة للبنك المركزي، موضحًا أن التعريفات يفترض أن ترفع مستوى الأسعار مرة واحدة، لا أن تؤدي إلى زيادات متكررة مع كل جولة جديدة من الرسوم.
صدمة واحدة تحولت إلى موجات متتالية
قال غولسبي في بودكاست «الاستجابة السريعة» إن التعريفات الجمركية يفترض أن يكون تأثيرها الأساسي مرة واحدة على مستوى الأسعار؛ فهي ترفع الأسعار، لكن لا يُفترض أن تستمر في دفعها إلى الارتفاع بصورة متواصلة.
غير أن التطورات الأخيرة أوجدت سيناريو مختلفًا، بحسب غولسبي، إذ فُرضت تعريفة جمركية، ثم ارتفعت الأسعار، قبل أن تُفرض تعريفة أخرى تؤدي إلى زيادة جديدة في الأسعار.
وأضاف أن المشهد ازداد تعقيدًا مع اللجوء إلى القضاء للطعن في بعض التعريفات، ما يجعل توقيت ومدى انتقال آثار الرسوم إلى الأسعار أكثر صعوبة بالنسبة لصانعي السياسة النقدية.
لماذا يربك ذلك حسابات الفيدرالي؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن الاحتياطي الفيدرالي يحتاج إلى التمييز بين ارتفاع مؤقت في مستوى الأسعار وبين تضخم مستمر يتطلب استجابة نقدية.
فإذا رفعت التعريفات الأسعار مرة واحدة ثم توقف تأثيرها، يمكن للبنك المركزي أن يتعامل معها باعتبارها صدمة مؤقتة لا تستدعي بالضرورة تشديدًا نقديًا إضافيًا.
أما إذا استمرت الرسوم في الارتفاع أو جرى تعديلها على مراحل، فقد تنتقل التأثيرات إلى تكاليف الشركات وأسعار السلع والخدمات بصورة أكثر اتساعًا.
وهنا يصبح السؤال الأهم بالنسبة للفيدرالي: هل ما يراه في بيانات التضخم مجرد آثار متأخرة لصدمات سابقة، أم أن الشركات بدأت تمرر التكاليف المرتفعة بصورة أكثر استمرارًا؟
التضخم لا يزال نقطة القلق الرئيسية
تأتي تصريحات غولسبي في وقت أكد فيه خلال أغسطس أن التضخم يمثل مشكلة أكثر إلحاحًا من ضعف سوق العمل، مشيرًا إلى أن سوق العمل يبدو مستقرًا لكنه ليس قويًا.
وفي وقت لاحق، أشار غولسبي إلى أن بيانات التضخم الأحدث أصبحت «أفضل قليلًا»، معربًا عن أمله في أن تتلاشى تدريجيًا آثار التعريفات وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب، بما يسمح للتضخم بالعودة نحو مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
لكن ذلك لا يعني أن المخاطر اختفت؛ إذ أظهرت تحليلات حديثة للاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن تأثير التعريفات على التضخم استقر نسبيًا خلال الأشهر الأخيرة، مع استمرار وجود ضغوط صعودية من الرسوم الجديدة.
الفيدرالي أمام معادلة صعبة
المعضلة بالنسبة للبنك المركزي لا تتعلق بالتعريفات وحدها، وإنما بتداخلها مع عوامل أخرى مثل أسعار الطاقة والتوترات التجارية والطلب المحلي.
ويعني ذلك أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، حتى إذا بدأ سوق العمل في إظهار علامات ضعف.
وفي المقابل، فإن التشدد النقدي لفترة أطول قد يضغط على الاستثمار والإنفاق والائتمان، بما يزيد مخاطر تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع استمرار الجدل داخل الفيدرالي حول طبيعة التضخم الحالي؛ فهناك من يرى أن جزءًا مهمًا منه مرتبط بصدمات مؤقتة مثل التعريفات والحرب، بينما يخشى آخرون أن تكون هذه الصدمات تخفي ضغوطًا أكثر استدامة داخل الاقتصاد.
«بيئة معقدة» قبل قرارات الفائدة
وصف غولسبي البيئة الحالية بأنها «معقدة» بالنسبة للفيدرالي، وهي خلاصة تعكس التحدي الذي يواجهه البنك المركزي في قراءة البيانات المقبلة.
فالمشكلة ليست في معرفة أن التعريفات ترفع الأسعار، وإنما في تحديد مدة استمرار تأثيرها، وعدد المرات التي ستتكرر فيها الزيادة، ومدى انتقالها من أسعار الواردات إلى التضخم الأوسع.
ولهذا، ستظل بيانات التضخم والإنفاق الاستهلاكي وسوق العمل عوامل حاسمة في تحديد اتجاه السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
وتشير الصورة الحالية إلى أن الفيدرالي لا يستطيع التعامل مع التعريفات باعتبارها مجرد حدث عابر، خصوصًا إذا استمرت الرسوم في التغير أو أضيفت إليها موجات جديدة.
وبالتالي، فإن المعركة المقبلة للبنك المركزي قد لا تكون فقط ضد التضخم، بل ضد صعوبة تحديد مصدره ومدى استمراره، وهي معضلة تجعل قرارات أسعار الفائدة أكثر حساسية للبيانات والتطورات التجارية من أي وقت مضى.









